{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} وذلك لأن الوصية حق سابق للمتوفى بقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة في أعمالكم) ، وقد وصف الحق سبحانه الوصية بقوله: {يُوصِي بِهَا} لئلا يُتوهّم أنّ المراد هو الوصيّة التي كانت مفروضة قبل شرع الفرائض، وهي التي في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} البقرة 180، وقد نسخت هذه الوصية في هذه الآية ببيان أنصبة الوالدين والأقربين بحديث أنس بن مالك قال: إني لَتَحْتَ ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يسيل علي لعابها فسمعته يقول: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث) .
أما الدين فهو أيضا حق سابق للغير في ذمة المتوفى يجب أداؤه قبل تنفيذ الوصية، إلا أن تجهيز جنازته غسلا وكفنا ودفنا يقدم عليه، لأن الغرماء في حياته لا يكون لهم سبيل إلى نفقة مأكله ومشربه، وليس للورثة إلا ما بقي خالصا بعد تجهيز الجنازة وأداء الدين وتنفيذ الوصية.
ثم عقب الحق سبحانه على ما قدره للأصول والفروع من أنصبة، محذرا من المس بها زيادة أو نقصا أو إلغاء، أو إيثارا للآباء على الأبناء أو للأبناء على الآباء، ترقبا لمنفعة مظنونة تنالهم من أحد الطرفين، لأن الغيب بيد الله تعالى لا يعلمه إلا هو، فقال:
{آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا} وما داموا لا يدرون أين تكمن منفعتهم الدنيوية أو الأخروية فعليهم أن يسلموا الأمر لربهم الذي يقدر المصالح والمنافع، وأن يحافظوا على منهجه في قسمة الميراث وتحديد الأنصبة التي فرضها على عباده بعلمه المطلق وحكمته الشاملة: {فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} .
وبعد أن أنهى التشريع الحكيم أحكام ميراث الأصول والفروع، انتقل إلى أحكام المصاهرة ليبين ميراث الزوج من زوجته والزوجة من زوجها على حالات ثلاث:
أولاهن ألا يكون للزوجة المتوفاة أبناء من الزوج الوارث أو من غيره، فيؤدي الزوج ديونها من التركة وينفذ وصيتها الجائزة ثم يأخذ النصف مما بقي، وذلك قوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ} .
والحالة الثانية أن يكون للمتوفاة ولد، واحدا أو أكثر، ذكورا أو إناثا أو مختلطين، من الزوج الوارث أو من غيره، فينزل نصيب الزوج إلى الربع. وذلك قوله تعالى: {فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} .