فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم على نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس)، وقرأ هذه الآية: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} يونس 62.
إن الإيمان الحق هو أن يستجمع القلب الولاء للتوحيد وأهله، والبراء من الشرك وأهله اعتقادا وعملا، لأن الله تعالى لا يقبل إلا ما كان خالصا له وحده وابتغي به وجهه، وقد جعل الحب والبغض من أصل الدين وقال: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} آل عمران 31، وجعل القلب لا يستجمع إيمانا خالصا وكفرا خالصا أبدا، إذ لا بد أن يستأثر به أحدهما في نهاية الأمر، فإن حل الكفر فيه واستوعبه كله، كان صاحبه كافرا إن أعلن ذلك، أو منافقا نفاق كفر إن موه وجادل وأنكر، لأن العبرة بالفعل ونتيجته، ونتيجته أن نية صاحبه وجهده وغايته موالاة أعداء الدين ومناصرتهم، ومعاداة المؤمنين وخذلانهم وإضعاف صفهم، لذلك عندما هدد الحق سبحانه المنافقين بالعذاب الأليم خص به منهم أشدَّهم عتوا ومكرا وهم: {الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} أي الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ويؤثرون غير المسلمين بالمحبة والنصرة والثقة والنجدة والاستنجاد. وهي أعمال كلها ثمرة لما في القلب من نفاق الكفر والجحود والبغض لدين الله وللمؤمنين، والآية بذلك نص في تحريم موالاة أعداء الدين أو معاملتهم بما يخل بالعقيدة أو يفسد حياة المسلمين، قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ} الممتحنة 1.
ثم كشف الحق سبحانه دواعي موالاة المنافقين للأعداء فقال باستفهام يستنكر نيتهم ويوبخهم على فعلهم:
{أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ} والعزة هي القوة والغلبة، أي: هل يطلُبون بموالاة غير المسلمين القوة والغلبة؟ ولكن ما يطلبونه من ذلك لا يملكه أولياؤهم، بل هو بيد الله تعالى: {فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} جميع العزة له تبارك وتعالى، لا يضفيها إلا على أولياءه الصادقين، كما قال في آية أخرى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} المنافقون 8.
ثم كشف الحق سبحانه خصلة أخرى من خصال هؤلاء المنافقين يتميزون بها وهي حضورهم مجالس اليهود واستطابة حديثهم، وسكوتهم عن طعنهم في القرآن واستهزائهم بالدين فقال عز وجل:
{وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ} أيها المؤمنون {فِي الْكِتَابِ} وهو القرآن الكريم {أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ} عقائد وأحكاما وشرائع في القرآن الكريم أو السنة النبوية {يُكْفَرُ بِهَا} تُجحد وتُردُّ وتُحرَّف أدلةُ صحتها ويُدْعى لغيرها {وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا} يسخر بها للتنفير منها وصرف القلوب والعقول عن دلالاتها