فهرس الكتاب

الصفحة 280 من 326

وقد روي في سبب نزول هذه الآية عن ابن عباس أن عبد الله بن سلام وأسد وأسيد ابني كعب وثعلبة بن قيس وابن أخت عبد الله بن سلام ويامين بن يامين أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا:"نؤمن بك وبكتابك وبموسى وبالتوراة وعزير، ونكفر بما سواه من الكتب والرسل"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بل آمنوا بالله تعالى ومحمد صلى الله عليه وسلم وبكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله) فقالوا:"لا نفعل"فنزلت، فآمَنوا كلهم.

ولئن كان الخطاب في هذه الآية موجها للمؤمنين كي يجددوا إيمانهم ويثبتوا عليه فإنه موجه أيضا بالتبعية والتضمين للمنافقين الذين أسلموا بألسنتهم ولمَّا يدخلِ الإيمان في قلوبهم، ليَصْدُقوا ويخلصوا وتوافق قلوبهم ما نطقت به ألسنتهم، ولأهل الكتاب كذلك كي يؤمنوا بكل رسول وكل كتاب، لأن الأصل في دينهم الإيمان وهم يكفرون بما سوى نبيهم وكتابهم.

ثم عقب الحق سبحانه بعد مخاطبته المؤمنين بذكر صنفين من الكفار، صنف كفر ابتداء، وصنف آمن ثم ارتد ثم آمن ثم ارتد وكفر فقال عز وجل عن الصنف الأول:

{وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} من يكفر بجميعهم أو بأي منهم {فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} فقد سار على غير هدى وضل طريق الهداية وغرق في متاهة الكفر غرقا يصعب استدراكه واستنقاذه منها، لأن الإيمان التام الجامع لأركانه هو ما بينه صلى الله عليه وسلم بقوله: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر كله خيره وشره) .

وقال عن الصنف الثاني:

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا} وهم كل من يتكرر منهم الارتداد والإصرار على الكفر والتمادي فيه، ومنهم اليهود الذين آمنوا بموسى عليه الصلاة والسلام، {ثُمَّ كَفَرُوا} حين عبدوا العجل أثناء غيابه لميقات ربه {ثُمَّ آمَنُوا} بعد عودته إليهم {ثُمَّ كَفَرُوا} بعيسى عليه الصلاة والسلام {ثُمَّ ازدادوا كُفْرًا} بمحمد صلى الله عليه وسلم.

{لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا} لا يعبأ الله بتوبتهم غير الصادقة ولا يغفر لهم ولا يهديهم إلى الجنة ما دامت قلوبهم قد اعتادت الردة ومردت على الكفر وراضها النفاق ووطَّأها للشيطان، وكان الإيمان لديهم هينا تتلاعب به أهواؤهم، وفي مثلهم قال تعالى أيضا: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ} التوبة 101.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت