متشعب الأطراف له صلة بعدة علوم، يخرج بنا بسطها عن منهج التفسير، كما أن له ارتباطا بواقع الأمة سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا.
4 -من أسباب الاختلاف والتنازع أيضا موقف الفقه الإسلامي من القضايا التي لا توجد لها نصوص شرعية حاكمة في الكتاب والسنة أو فيما يحمل عليهما بالقياس أو يستند إليهما بالإجماع، إلا إذا تدخل الفقيه مثلا بنوع من التأويل لأدوات استنباط مختلف فيها، كالاستصلاح المالكي والاستحسان الحنفي والاستصحاب الظاهري، بل قد لا نجد لها من أدوات الأصوليين ما يشفي الغليل. والواجب يقتضي تنظيم حياة الناس باستحداث حلول لها تساير النشاط البشري وتطوره، دفعًا للتظالم، وتحقيقًا للعدل والسلم، وتوفيرًا لظروف تساهم في رقي الأمة ونهضتها، وذلك ما يطرح على الفقه بإلحاح ضرورة التفكير في آلية اجتهاد خاص لهذه القضايا الواقعة في هذه المنطقة ذات"الفراغ التشريعي"، آلية منبثقة من الكتاب والسنة، تضع الحلول المناسبة الناجعة لما لا تتسع له ضروب الاستنباط الأصولية المعروفة.
إن الأصل في تسيير الشأن العام للأمة أن يساس بالكتاب والسنة وما يحمل عليهما، وفي منطقة الفرغ التشريعي أن تطبق الشورى الجماعية العامة المقيدة بضوابط الشرع وأن يرد كل اختلاف وتنازع للكتاب والسنة. هذا شرط الإيمان الحق ودليله وأمارته، ولذلك عقب عز وجل بقوله:
{إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} أي: إن عملكم بالمنهج الرباني الذي تضمنته هذه الآيات الكريمة دليل على تمامِ إيمانِكم بالله تعالى، وراسخِ يقينكم بالآخرة {ذَلِكَ خَيْرٌ} ذلك المنهج خير لكم في حاضركم ومستقبلكم {وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} أي: أحسن لكم في عاقبة أمركم وما يؤول إليه حالكم في الدنيا والآخرة، لأن التأويل لغة هو عاقبة الشيء وما يؤول إليه.
لقد أثبتت التجربة والبحث العلمي المحايد فشل نظم الحكم الوضعية المعاصرة ديمقراطية رئاسية وبرلمانية ومجلسية، في تحقيق المساواة والعدالة بين المواطنين، ولم يبق إلا المنهج الشوروي الرباني قادرا على ضمان ذلك {ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} ، وهذا هدفنا ومسعانا وجوهر ما نرمي إليه ...