وفي هذا الإطار المخالف دائما لعقيدة المسلمين، أي اطلاع الأقطاب على الغيب وتصرفهم في أمور الدنيا والآخرة، يقول عبد القادر الجيلاني:"وإذا كان القطب اطلع على أعمال أهل الدنيا وأقسامهم وما تؤول أمورهم إليه، ويطلع على الأسرار، ولا يخفى عليه شيء في الدنيا من خير أو شر، لأنه مفرد الملك بطانته، نائب أنبيائه ورسله، أمين المملكة، فهذا هو العين القطب في زمانه" [1] .
أما الشعراني فيقول:"أشهدني الله تعالى ما في العلى وأنا ابن ست سنين، ونظرت في اللوح المحفوظ وأنا ابن ثمان سنين، وفككت طلسم السماء وأنا ابن تسع سنين، ورأيت في السبع المثاني معجما حار فيه الجن والإنس ففهمته وحمدت الله تعالى على معرفته، وحركت ما سكن، وسكنت ما تحرك بإذن الله تعالى وأنا ابن أربع عشرة سنة" [2] .
ونكتفي بهذا القدر من الشهادات في ما يتعلق بالعقيدة وأصول الدين، وقد مر معنا منها الكثير، لننتقل إلى عبادات وقربات ما أنزل الله بها من سلطان، اخترعها القوم وهم يعتقدون أنها تقربهم إليه عز وجل. فقد أورد أبو طالب المكي وحجة الإسلام الغزالي ما يلي:"قيل لأبي يزيد البسطامي حدثنا عن رياضة نفسك في بدايتك؟ فقال: نعم دعوت نفسي إلى الله، فجمحت علي، فعزمت عليها أن لاأشرب الماء سنة، ولا أذوق النوم فوفت لي" [3] .
وفي الرسالة نقرأ"سمعت الشيخ أبا عبد الرحمان المسلي رحمه الله يذكر بإسناده أن أبا عقال المغربي أقام بمكة أربع سنين لم يأكل ولم يشرب إلى أن مات" [4] .
ويقول أبو محمد الرفاعي:"قال الفقيه محمد بن الحسين البجلي رضي الله عنه رأيت النبي صلى الله عليه وسلم/ في المنام، فقلت: يا رسول الله أي الأعمال أفضل؟ قال: وقوفك بين يدي ولي الله كحلب شاة أو كشي بيضة خير لك من أن تعبد الله حتى تتقطع إربا أربا فقلت له: حيا كان أو ميتا؟ فقال: حيا كان أو ميتا" [5] .
وحال القوم في العبادات بين زيادة فيها أو نقصان، أو إعراض عنها بالكلية، أوابتداع قربات جديدة، بمبررات وتأويلات ضالة فاسدة، تؤدي إلى تحريف الدين وإسقاط الأحكام، يقول قطب الأولياء عبد القادر الجيلاني:"تدري كم عنده (أي الله) من الطاعات والصلاة لا يعبأ بها، إنما مراده منك قلب صاف من الأقدار والأغيار" [6] .
(1) - الفتح الرباني ص 354
(2) - طبقات الشعراني 1/ 183
(3) - قوت القلوب 2/ 70 وحجة الإسلام الغزالي في الإحياء 4/ 304
(4) - الرسالة القشيرية ص 35
(5) - قلادة الجواهر ص 277
(6) - الفتح الرباني ص 357