الفصل الحادي عشر
أثر الصوفية في إفساد الأمة وانهيارها
إن الصوفية كانت ولا تزال معول هدم استعمل لتغييب العقل وتحريف الدين، والجري وراء الذوق والجذبة والوصول والاتحاد والفناء، والرؤى والمنامات والكشوفات والتفسيرات الباطنية وتوجيهات الشيوخ الشيطانية. كل ذلك كان مقدمات ضرورية لتنهار الأمة بفعل الضربات العسكرية المباشرة، ثم استمر مسلسل الإفساد بعد الانهيار الشامل وانسحاب جيوش الغزاة. وكل ما سبق معنا هو من هذا الفساد والإفساد فقد رأينا تحريف العقيدة الصحيحة على يد المتصوفة وقرأنا أقوالهم في الله تعالى وفي رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وكتابه، وفي الأنبياء الآخرين وفي الوحي والنبوة، ومصادر التلقي.
ورأينا أيضا تحريفهم للعبادات، من ذكر بدعي، وحضرة ورقص وعبادة القبور والأولياء والصالحين والتسليم للشيخ. وابتداع أقوال وأعمال في العبادات التوقيفية، واختراع طقوس ما أنزل الله بها من سلطان، ومقابل ذلك ترك العبادات والوقوع في المناكر والمحرمات، والكذب والفجور والتواكل والذل والخنوع والإعراض عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطلب العلم، وعن العلماء والدعاة والجهاد والمجاهدين.
ولما كان يحزب المسلمين أمر خطير كانوا يهرعون للأوراد والطلاسم والمشايخ والقبور وقراءة الإحياء والرسالة القشرية أو صحيح البخاري جماعة في المساجد والزوايا.
وكان شيوخهم وعلماءهم يؤلفون لهم في الحب والوجد والفناء والكرامات والكشوفات، ويشحنون كتبهم بالأباطيل والضلالات والأحاديث الموضوعة والقصص الخيالية المصنوعة.
وعن إحدى هذه الفترات العصيبة يحدثنا الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية فيقول: ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين وأربعمائة، وفيها أخذت الفرنج بيت المقدس. لما كان ضحى يوم الجمعة لسبع بقين من شعبان سنة ثنتين وتسعين وأربعمائة أخذت الفرنج لعنهم الله بيت المقدس شرفه الله، وكانوا في نحو ألف ألف مقاتل وقتلوا وسطه أزيد من ستين ألف قتيل وجاسوا خلال الديار، وتبروا ما علوا تتبيرا.
وقد عاين هذا الحادث الجلل (سقوط بيت المقدس وإبادة أزيد من ستين ألف مسلم) عدد من كبار زعماء المتصوفة كالغزالي وابن عربي وابن الفارض ولم يشارك أحدهم في القتال أو دعا إليه أو تحسر أو تأوه أو تألم لحال المسلمين، والغزالي الحجة والإمام إلى غيرها من الألقاب لم يجاهد هو لا بسيفه