ولشدة تورع أصحاب هذه الطريقة عن اللعن والسب والشتم، فقد امتنعوا حتى عن لعن الشيطان وصاروا فيما بعد ينكرون على من يسب الشيطان، ومع مرور الوقت وزيادة الورع وكشوفات المشايخ تحول هذا إلى تقديس الشيطان وعبادته.
إلا أن هذا الأمر لم تختص به هذه الفرقة على ما يبدو، فها هو الإمام الشعراني يحكي عن شيخ يؤله إبليس، ورغم ذلك فإنه يترضى عنه. فيقول:"ومنهم الشيخ محمد الخضري رضي الله تعالى عنه، المدفون بناحية نهبا بالغربية، وضريحه يلوح من البعد من كذا بلدا، كان من أصحاب جدي رضي الله عنهما، كان يتكلم بالعجائب والغرائب ... وأخبرني الشيخ أبو الفضل السرسي أنه جاءهم يوم الجمعة فسألوه الخطبة، فقال بسم الله فطلع المنبر فحمد الله وأثنى عليه ومجده، ثم قال: وأشهد أن لا إله لكم إلا إبليس عليه الصلاة والسلام فقال الناس كفر، فسل السيف ونزل، فهرب الناس كلهم من الجامع ثم جاء بعض أهل البلاد المجاورة فأخبر أهل كل بلد أنه خطب عندهم وصلى بهم، قال فعددنا له ذلك اليوم ثلاثين خطبة هذا ونحن نراه جالسا عندنا في بلدنا ... توفي رضي الله عنه سنة سبع وتسعين وثمانمائة رضي الله عنه" [1] . ولا حول ولا قوة إلا بالله ولن تجد طريقة من طرق الصوفية تتبرأ من هذا الشعراني بل كلها تعتبره إماما.
ويبدو أن الجيلي أقل تطرفا في إعجابه بإبليس فهو على الأقل لم يوصله لدرجة الألوهية فيعلق على امتناع إبليس اللعين على السجود لآدم حين قال:"أنا خير منه"، في كتابه الإنسان الكامل يقول: وهذا الجواب يدل على أن إبليس من أعلم الخلق بآداب الحضرة وأعرفهم بالسؤال وما يقتضيه من الجواب.
ويقول الحلاج في طاسين الأزل والالتباس.
وما كان في أهل السماء موحد مثل إبليس، حيث إبليس تغير عليه العين وهجر الألحاظ في السير وعبد المعبود على التجريد.
وننتقل لبحث تأثير اليهودية والمسيحية في دين الصوفية وهو الأمر الذي لاحظناه في مبحث التصوف قبل الإسلام وعند غير المسلمين وأيضا في مبحث أصل كلمة الصوفية.
ينقل إحسان إلهي ظهير رحمه الله تعالى، كلاما للدكتور عبد الرحمان البدوي من كتابه تاريخ التصوف الإسلامي وهو الكتاب الذي دافع فيه عن التصوف دفاعا شديدا فيقول:"الاختلاط بين المسلمين والنصارى العرب في الحيرة والكوفة ودمشق ونجران، وخصوصا في مضارب القبائل العربية التي انتشرت فيها المسيحية قبل الإسلام وبعده: بنو تغلب، قضاعة، تنوخ، وتتحدث بعض الأخبار عن أن"
(1) - الطبقات 2/ 107