لفرعون فعلته، بل في من لا يزال يعتبر هؤلاء المتصوفة أولياء وزهاد وعباد. في من يلبس على المسلمين أمر دينهم.
إذا كان هؤلاء الأولياء والشيوخ والعارفون والأقطاب ترقوا في مراتب الوصل والوجد والجذبة وذاقوا الحقيقة واستشعروا الألوهية والربوبية أفيصعب عليهم معرفة علوم أهل الأرض كلها من تاريخ وجغرافية وطب وكيمياء وعلوم الماضي والحاضر والمستقبل بعد أن اطلعوا على اللوح المحفوظ وشاركوا الله تعالى في تسيير أمور الكون وتلقوا منه العلوم والأسرار كلها. فإذا أخبروا فهم الصادقون وإذا نبأوا فهم المحقون المصيبون.
في هذا الفصل ستعرف أخي القارئ أن هذه العلوم التي يقولون أنهم تلقوها مباشرة من الله تعالى والتي تشمل كافة العلوم ومعاني الحياة هي ما يطلقون عليه العلم اللدني، والذي يتواصون إليه عن طريق الكشف، وإن شئت فالكشف هو العلم اللدني، واللدني مشتقة من قوله تعالى"من لدننا علما".
والكشف والعلم اللدني والحقيقة وعلم الباطن، كلها أسماء تستعمل مقابل الشريعة وعلم الظاهر وعلم الحديث والفقه، أي العلم الحقيقي، الذي يحاربونه بشتى الوسائل بل يدعون إلى الجهل وعدم الاشتغال بالعلم، وهذا سيكون موضوع الفصل الموالي: أما الآن فمع كشوفاتهم. لكن قبل ذلك لنترك حجة الإسلام الإمام الغزالي، يعرفنا بهذا العلم، يقول:"علم المكاشفة، وهو علم الباطن، وذلك غاية العلوم فقد قال بعض العارفين: من لم يكن له نصيب من هذا العلم أخاف عليه سوء الخاتمة، وأدنى نصيب منه التصديق به والتسليم لأهله ... وأقل عقوبة من ينكره أنه لا يذوق منه شيئا ... وهو علم الصديقين والمقربين، أعني علم المكاشفة، فهو عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة ... - إلى أن يقول - ولا سبيل إليه إلا بالرياضة التي يأتي تفصيلها" [1] .
فحسب الغزالي هناك علم لم يخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، تكفل الغزالي والعارفون بإخبارنا به، هو علم المكاشفة وعلم الباطن. وحسب بعض العارفين دائما، والعهدة على الغزالي أن من لم يكن له نصيب في هذا العلم، فيخاف عليه من سوء الخاتمة، ويجب التصديق بهذا العلم والتسليم لأهله (التسليم التسليم أرجال البلاد، وهذه العبارة مني حتى لا أصاب بأذى) ، ولا سبيل إلى هذا العلم حسب الغزالي إلا بالرياضة، وهي التي أشرنا إليها في بداية الكتاب، أي الرياضة الإشراقية (الخلوة والجوع والسهر والذكر) . فهذا العلم لا يتوصل إليه بالقراءة والكتابة، والاشتغال بالكتب ومجالسة العلماء بل
(1) - الإحياء 1/ 18