التلمود أن أحد الحاخامات بقي يجادل الله ثلاثة أيام حتى أفحمه واعترف له الله بخطئه. لكن هذا الصوفي أفحم الله تعالى في ثانيتين بسبع كلمات فقط، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
أما جلسات الذكر الراقصة فمن يطلع على دين اليهود أو ينظر لعبادتهم يمكن أن يلاحظ الحركات التي يقوم بها اليهود وهم يقرأون كتبهم المقدسة. لكن التوراة تعطينا مزيدا من التوضيح بشأن صلاة اليهود هذه. فقد جاء في المزمور 149 عدد 3 وليسبحوا برقص، بدف وعود، ليرنموا له. وفي المزمور الذي يليه"سبحوه بدف ورقص، سبحوه بأوتار ومزمار، سبحوه بصنوج التصويت، سبحوه بصنوج الهتاف". وهذا هو السماع عند الصوفية.
ختمنا البحث السابق بالذكر والسماع الصوفي وهو ذكر مقرون بالرقص والتراقص والضرب على الدف ورأينا علاقة ذلك باليهودية، والصلاة بهذا الشكل من الرقص والصفير والتمايل هي صلاة أغلب الوثنيين فوثنيو إفريقيا المعروفين بالفيتيشيون عبادتهم كلها رقص وسماع، ووثنيو الهندوس صلاتهم لأصنامهم رقص وسماع وقرع أجراس، ويخبرنا الله عز وجل عن صلاة وثنيي العرب بقوله:"وما كانت صلاتهم عند البيت إلامكاء وتصدية".
والقشيري استطاع أن يجمع كل صلوات هذه الديانات اليهودية والوثنية وأضاف إليها اللطميات الشيعية في عبارة جامعة مانعة، وهذا من عبقرية الرجل وبراعته بل من ولايته وكشوفاته وكراماته فيقول:"وقيل: السماع فيه نصيب لكل عضو، فما يقع إلى العين تبكي، وما تقع إلى اللسان يصيح، وما يقع إلى اليد تمزق الثياب وتلطم، وما يقع إلى الرجل ترقص" [1] .
و من آثار الوثنية على دين الصوفية أيضا، خاصة الوثنيات الهندية، وهو ما أثبته كثير من العلماء والكتاب والباحثين مسلمين وغير مسلمين بل حتى المتصوفة أنفسهم فقد كتب البيروني كتابه المشهور تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة. تطرق فيه لأوجه تشابه عقائد الوثنيات الهندية والعقائد الصوفية
ويمكن دون عناء كبير أو بحث معمق ملاحظة هذا الشبه الكبير، في تعذيب النفس، وتحمل المشاق، والتجويع والجلوس في الخلوات، وطرق الذكر، واستعمال السبح وغيرها. حتى أن الذات المحمدية التي خلقها الله من نور وجهه ثم انبثقت كل المخلوقات من هذه الذات كما سبق هنا في عقيدة الحقيقة المحمدية عند الصوفية تقابلها عند الهنادكة عقيدة أن الخلائق صدرت من وجه براهمان ومن يديه ومن فخديه ثم قدميه.
(1) - الرسالة ص 157