فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 136

الفصل الأول

التصوف قبل الإسلام وعند غير المسلمين، أو طريقة الإشراق

إن الفكرة التي يدور حولها هذا المبحث والتي سنبينها في السطور المقبلة مفادها أن التصوف قديم قدم الإنسان، إنه موجود في الديانات الوثنية، والسماوية قبل الإسلام، وفي الفلسفة اليونانية والغنوصية ونظرية الفيض الأفلوطينية والإشراق والحلول والاتحاد، وهذا ما نستخلصه من خلال نصوص معتمدة عند هذه المذاهب والديانات، ومن خلال بعض التعريفات، وهذا المعطى مهم جدا لفهم حقيقة التصوف. وكذلك لبحث أصل كلمة"الصوفية".

إن الهدف من التصوف في جميع الفلسفات والديانات هو حصول المعرفة والوصول إلى طمأنينة الروح والقلب. والاتصال بالخالق والاتحاد به والفناء فيه، وهذا هو الإشراق والاستنارة كما يسمونها، حيث إن النفس عندما تتطهر وتتحرر، من الماديات ممثلة في الشهوات والرغائب والملذات، تلقى فيها المعرفة الاشراقية (= العلم اللدني) . هذه المعرفة أوهذا النور أوهذا الإشراق الذي يقذف في النفس وفي القلب، ما هو إلا الله عندما نتحد به ونفنى فيه. يقول أفلوطين (ت 205 م) في التاسوع الخامس:"النفس التي لا تضاء بضوئه تظل بغير رؤية، فإذا أضيئت فإنها تحتوي على كل ما تنشده، فترى الأسمى بالأسمى. ترى الأسمى الذي هو في الوقت نفسه وسيلة الرؤية. لأن ما يضيء النفس هو نفسه الذي تريد رؤيته كما أننا نرى الشمس بضوء الشمس".

وللوصول إلى الإشراق والفناء، يتجرد المتصوف عن الدنيا وما فيها ويختار العزلة والخلوة، ويعذب نفسه بالمشاق والجوع والرياضات والذكر، وغير ذلك من الأمور التي يشترك فيها كل المتصوفة، والكهان، والرهبان، عند البوذية والديانات الهندية، ومتصوفة الفرس واليونان، ورهبان المسيحية واليهود، وكهان الديانات الوثنية من زرادشتيين ومجوس، وبعض فلاسفة اليونان. ويسجل التاريخ قصة الأمير الشاب الذي عاش في أواسط القرن السادس قبل الميلاد كيف أنه أعرض عن الدنيا وملذاتها، وتخلى عن ثروته وقطع على نفسه عهدا ألا يعود إلى أهله حتى يصير"بوذا"، وتعني"الحكيم المستنير". هكذا تاه في الغابات منعزلا مختليا بنفسه، وبعد مجاهدات ورياضات وكفاح وصل إلى الإشراق والفناء وأصبح"بوذا".

يقول أفلوطين أيضا:"يجب علي أن أحجب عن نفسي النور الخارجي لكي أحيا وحدي في النور الباطن". و يقول"وقد حدث مرات عدة أن ارتفعت خارج جسدي بحيث دخلت نفسي، ومن هنا استيقظ. وبهذه اليقظة أتحد بالله".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت