فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 136

وأدبها وساسها واستقامت معه، كلفه أهله، فإذا داراهم وأحس عشرتهم، كلفه جيرانه ومحله، فإذا داراهم وأحسن إليهم وأقام بحقوقهم كلفه أمر بلده، فإذا أحسن إليهم وداراهم كلفه جهة من الأرض، فإذا أقام بحقوقهم وأحسن إليهم كلفه جميع الأرض، وإذا سبقت له العناية الأزلية وأحسن إليهم وداراهم وأحسن سريرته مع الله تعالى فيهم، كلفه أمور الدنيا كلها، فإذا أقام بها كلفه ما بين السماء والأرض، فإن بينهما خلقا كثيرا لا يعلمهم إلا الله تعالى فإن هو داراهم وأحسن إليهم كلفه ما عدا بني آدم من المخلوقات، فإن هو داراهم وأحسن إليهم كلفه سماء بعد سماء إلى جميع السماوات، حتى ينتهي إلى مقام الغوثية، ثم يرفع منزلته حتى تصير صفته من صفات الحق سبحانه ... فإذا صح لهذه الأمور، صار عين سر الله في أرضه، به ينزل الغيث، وبه يرفع البلاء، وبه تنزل البركات، حتى لا تنبت شجرة ولا تخضر ورقة ولا يطلع الله على خلقه إلا بنظره، ولا تقطر قطرة إلا بإذنه" [1] ."

هؤلاء هم الكمل والأقطاب والأغواث والأولياء والعارفون بالله والشيوخ الصمدانيون، وحجة الإسلام وشيخ الإسلام وتاج الإسلام. وما شئت من الأوصاف والألقاب والكلام. آلهة وأرباب متصرفون في الكون مطلعون على الغيب وعلى اللوح المحفوظ، يقسمون الأرزاق ويقبضون الأرواح يقبلون الدعاء ومنهم يطلب الشفاء، وحين يصف أحدهم نفسه أو يصفه مريدوه بالشيخ أو العارف أو الكامل أو القطب أو الولي أو الغوث، فإنهم عرفوا أم لم يعرفوا قصدوا أم لم يقصدوا، يقولون عنه أنه الله، فهذا محمد بن وفا الغوث وهذا أحمد الرفاعي الغوث ومن المغاربة وما أكثرهم، عبد السلام بن مشيش الغوث وأبو مدين الغوث وغيرهم كثير، فكيف يُنكر على من ادعى الألوهية والربوبية ولا يُنكر على من تسمى بهذه الأسماء، وتلقب بهذه الألقاب، ولا فرق بينهما.

قد يعتقد كثير من الناس أن ادعاء الربوبية والألوهية هو مجرد فلتة حدثت من بعض المجانين، أو السكارى بالعشق الإلهي، أو الزنادقة. لكن الذي يقرأ نصوصهم ويطلع على عقائدهم سوف لن يجد أمر هذا الادعاء غريبا، وأعتقد أن من قرأ الفقرات السابقة بخصوص الغوث والقطب والولي لن يجد صعوبة في تصديق أن هناك أشخاص صرحوا أنهم هم الله، ليس جنونا أو سكرا بل اعتقادا، وكثير ممن لم يصرحوا أيدوهم وزكوهم وترحموا عليهم. إن ادعاء هؤلاء القوم الربوبية والألوهية، نتيجة طبيعية ومنطقية بل وحتمية، أولا لعقيدة وحدة الوجود، أي أن الله هو الوجود كله. ثانيا لعقيدة التجليات والتعينات، أي أن الله يتجلى في مخلوقاته، وأن هذه المخلوقات هي تعينات إلهية وهي جزء من الله. وثالثا لمعتقدهم في شيوخهم بأنهم يتصرفون في الكون. ورابعا عقيدة السلوك والسير إلى الله والمقامات

(1) - قلادة الجواهر ص 195

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت