والدرجات التي يسلكها السالك قبل التحقق بالألوهية والربوبية، أو بعبارتهم استشعار العارف أنه هو الله. وقد مرت معنا هذه المقامات وسنعيد الإشارة إليها هنا، لنضع هذا الإدعاء في إطاره وسياقه. وقبل أن تسافر بنا نصوصهم إلى عالم الخيال والخرافة هذا تنبيه بالمصطلحات التي يعبرون بها عن مقاماتهم ودرجاتهم.
الاستغراق في بحر الوحدة، أحدية الذات الإلهية، الغيبة عن شهود الوحدة، والغيبة عن شهود الخلق، استشعار الصمدانية، غريق في بحر الأحدية وغريق في بحر الوحدة، والجمع، والفرق في الجمع، والفناء، والبقاء، والوصل، والفرق الثاني، إلى غيرها من الخزعبلات التي لا تعني إلا شيئا واحدا، هو وحدة الوجود، وأيضا تفتح المجال أمام ادعاء الألوهية والربوبية أو تعنيهما فالجمع: مثلا هو رؤية الحق بلا خلق، وأهل هذا المقام هم من يقولون أنا الله، لكن هناك درجة أكبر منهم، وهم أهل"الفرق في الجمع"الذين يعرفون أنهم هم الله، وأن الكون هو الله، لكن يعترفون بالعبودية، وفي هؤلاء يقول سعيد حوى، المتأثر بابن عجيبة المغربي والمعجب به يقول:"نحن نعلم أن هناك حالات للسالك يحس فيها بأحذية الذات الإلهية ويستشعر فيها اسم الله الصمد، وهي حالة يستشعر فيها السالك فناء كل شيء، ولكن هذا الشعور لابد أن يرافقه الاعتقاد بأن الله خالق وأن هناك مخلوقات، وأن الخالق غير المخلوق" [1] . وعبارته الأخيرة هي ما يعبرون عنه بـ"الفرق في الجمع"أو"الفرق الثاني"بعدما برر في عبارته الأولى عقيدة أحدية الذات والفناء واستشعار اسم الصمد، ولسنا في حاجة لشرحها بعد كل هذه النصوص والعبارات الصوفية التي مرت معنا.
يقول ابن عجيبة:"الجمع رؤية الحق بلا خلق، والفرق رؤية الخلق بلا حق، فإن كان بعد الجمع فهو رؤية الخلق والحق، والحاصل أن أهل الجمع لا يشهدون إلا الحق، وأهل الفرق لا يشهدون إلا الخلق، ويستدلون على الحق، وأهل الفرق في الجمع يشهدون الخلق والحق، أعني يشهدون الواسطة والموسوط من غير فرق بينهما" [2] . والكلام جد واضح ولا يحتاج إلى تفسير.
وهذا ابن عطاء الله السكندري في حكمه، بل نقمه كما يقول البعض، والتي تولى ابن عجيبة شرحها في إيقاظ الهمم. جاء على لسان ابن عطاء،"وصاحب حقيقة غاب عن الخلق بشهود الملك الحق، وفني عن الأسباب بشهود مسبب الأسباب ... قد غلب سكره على صحوه وجمعه على فرقه وفناؤه على بقائه، وغيبته على حضوره. وأكمل منه عبد شرب فازداد صحوا، وغاب فازداد حضورا، فلا جمعه يحجبه عن فرقه، ولا فرقه يحجبه عن جمعه، ولا فناؤه يصده عن بقائه، ولا بقاؤه يصده عن"
(1) - تربيتنا الروحية ص 79
(2) - إيقاظ الهمم ص 388.