فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 136

فنائه، يعطي كل ذي قسط قسطه ويوفي كل ذي حق حقه" [1] . هذه الحكم الضلالية يتباهى بها كل الصوفية دون استثناء، فشرحها ابن عجيبة وزاد على ضلالها ضلالا مركبا. وينقل ابن عجيبة أن شيخ شيخه مولاي العربي الدرقاوي قال سمعت الفقيه البناني يقول: كادت حكم ابن عطاء الله أن تكون وحيا، ولو كانت الصلاة تجوز بغير القرآن لجازت بكلام الحكم" [2] . وأنا أقول لكل مسلم احمد الله على نعمة الإسلام، ولمن كان عاقلا احمد الله على نعمة العقل، ولمن كان جاهلا احمد الله على نعمة الجهل.

وأذكر أننا في معرض توضيح أن ادعاء الألوهية والربوبية ليس فلتة أو جنوننا أو سكرا، بل هو من نتائج هذه المقامات والدرجات التي نتحدث عنها، وهو مرحلة من مراحلها لا ينكرها أحد من الصوفية، متمثلين قولة ابن عجيبة"إياك أن تقول أناه واحذر أن تكون سواه".

يقول الشيخ أحمد الدردير [3] ، في منظومته التي يسميها منظومة أسماء الله الحسنى: [4]

وهب لي أيا رباه كشفا مقدسا لأدرك به سر البقاء مع الفنا

وجد لي بجمع الجمع فضلا ومنة ... وداو بوصل الوصل روحي من الضنا

ومن علينا يا ودود بجذبة بها نلحق الأقوام من كان قبلنا

فماذا تعني هذه الطلاسم المطلسمة؟ يشرح لنا ذلك، العلامة الشيخ أحمد الصاوي، فيقول:

"لما كان الجمع و وصل الوصل أعلى من الفناء والبقاء، ترقى إليهما بقوله: وجد لي ... إلخ"، واعلم أن لهم مقاما يقال له:"الفناء"ومقاما يقال له"البقاء"و"الجمع والفرق"ومقاما يقال له"الفرق الثاني"، ومقاما يقال له"الوصل"ومقاما يقال له"وصل الوصل"فأما المقام الأول الذي هو الفناء، فهو استغراق العبد في الله، حتى لا يشهد شيئا سوى ذات الله، ويقال لصاحبه:"غريق في بحار الأحدية". وأما المقام الثاني، وهو"البقاء"فهو الرجوع بعد الفناء إلى ثبوت الآثار، بشهود ذات وصفات المؤثر فيها، ويقال لصاحبه:"غريق في عين بحر الوحدة"فمشاهدة الأحدية مشاهدة للذات دون الأسماء والصفات وآثارها، وهو"الفاني". ومشاهدة الوحدة مشاهدة للذات متصفة بالأسماء والصفات مثبتا للآثار، جامعا بين الحق والخلق، وهذا هو الكمال بعينه، فلذلك قالوا: لا بد لكل فناء من بقاء، ومقام"البقاء"هذا هو المسمى بـ"الجمع والفرق"فجمعه شهوده ربه، وفرقه شهوده لصنعه، وأما"جمع"

(1) - الصفحة 385 وما بعدها

(2) - إيقاظ الهمم ص 4

(3) - واسمه أبو البركات أحمد بن محمد بن أحمد العدوي المالكي الشاذلي الخلوتي توفي سنة 1201 في القاهرة، وله أوراد تسمى الأوراد الخلوتية وصلوات تسمى الصلوات الدرديرية، يتعبد بها الصوفية ويتقربون بها إلى الله، حسب زعمهم، والمقام يضيق لإعطاء أمثلة من هذه الصلوات الشركية

(4) - كما في كتاب"الأسرار الربانية والفيوضات الرحمانية"ص 125.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت