فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 136

الجمع"، فهو مقام أعلى من البقاء، وهو أن يأخذه الحق بعد بقائه، فيسكره في شهود ذاته تعالى، فيصير مستهلكا بالكلية عما سوى الله تعالى، فمنهم من يبقى بهذه السكرة إلى الموت، كالسيد البدوي رضي الله عنه، ولذلك قال العارفون، إنه جذب جذبة استغرقته إلى الأبد، ومنهم من يرد إلى الصحو عند أوقات الفرائض والقيام بأمور الخلق، كالسيد الدسوقي وأضرابه والمؤلف، (أي الشيخ الدردير صاحب الأبيات الشعرية) رضي الله عنهم، فيكون رجوعا لله بالله لا للعبد بالعبد، وهذا الرجوع يسمى"الفرق الثاني"وأما الوصل فهو تلذذ القلب بشهود الحق بعد زوال الحجب الظلمانية والنورانية، فإن دام له الشهود يقال له،"وصل الوصل"أي الوصل الكامل، كقوله:"سر السر وعين العين"مبالغة في كمال الشيء" [1] . انتهى شرح الأبيات.

ولازلنا مع مسألة تأصيل ادعاء الربوبية والألوهية، من النصوص الصوفية، كي نفهم أنها ليست فلتة، بل هو شعور يحسه السالك والسائر والعارف وما شئت من الأسماء، حيث يشعر أن لا شيء في الوجود ولا شيء مع الله إلا الله وفي غمرة هذه الفناءات والمشاهدات والسكرات يستشعر السالك أنه جزء من الله، أو أنه هو الله، لشدة حبه وولهه وعشقه له.

ونختم بهذا التأصيل لسعيد حوى، قبل التطرق للب الموضوع. يقول:"وبشكل عام، فإن السائر إلى الله ليصل إلى مقام الإحسان، فإنه يمر على ما يسميه الصوفية"الفناءات. والفناء في الأفعال بأن يحس الإنسان أن كل شيء فعل الله، أو الفناء في الصفات بأن يستشعر الإنسان صفات الله عز وجل، والفناء في الذات، وهو أن يستشعر الإنسان أولية الذات الإلهية وصمدانيتها، ومتى استقر في هذا المقام أحس بمقام الإحسان، ويحاولون في هذه الحالة أن ينقلوه إلى مقام"المشاهدة مع رؤيته الخلق"وهذا الذي يسمونه مقام"البقاء"وقد تكون النقلة سريعة إلى الفناء في الصفات مباشرة، أو قد تكون إلى الفناء في الذات مباشرة، ثم يبدأ السالك يستشعر ما سوى ذلك". قبل الانتقال لموضوعنا بعدما عرفنا عقيدة القوم في هذا الباب، أدعو القارئ لإعادة قراءة كلام سعيد حوى، وليحاول شرح العبارة الأخيرة"ثم يبدأ السالك يستشعر ما سوى ذلك" [2] ."

كل الصوفية يعتقدون بهذا الاستشعار وفناء الذات التي تؤدي بصاحبها إلى ادعاء الألوهية والربوبية إلا أن منهم من صرح بأنه هو الله ومنهم من نسب لنفسه كل قدرات الله وعلمه وأفعاله دون أن يتسمى باسم الله. وحتى من أنكر منهم فعل الطائفة الأولى تقية وهم قليل، (أي المنكرون) فإنه لم ينكر فعل الطائفة الثانية، ولقد نحوا هذا المنحى منذ مقتل الحلاج، ويتواصون بمقام الفرق الثاني أو الفرق مع الجمع الذي أشار إليه سعيد حوى في النص السابق وغيره من المتصوفة، والذي يعني أنه بالرغم من

(1) - الأسرار الربانية والفيوضات الرحمانية ص 125 وما بعدها

(2) - تربيتنا الروحية ص 298

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت