فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 136

يقول ول ديورانت في موسوعته (قصة الحضارة) "غير أن أقلية من المسيحيين كانت ترى في النزول إلى هذا الدرك (أي التمتع بملاذ الحياة) خيانة للمسيح. واعتزمت أن تجد مكانها في السماء عن طريق الفقر و العفة والصلاة. فاعتزلت العالم اعتزالا تاما. ولربما كان مبشروا أشوكا حوالي (250 ق. م) قد جاءوا إليه بنظرية البوذية وقوانينها الأخلاقية. ولربما كان النساك الذين وجدوا في العالم قبل المسيحية أمثال سيرابيس في مصر أو جماعات الأسينين في بلاد اليهود قد نقلوا إلى أنطونيوس وباخوم المثل العليا للحياة الدينية الصارمة وأساليب هذه الحياة".

ويضيف ديورانت"ويكاد مناخ مصر أن يغري الناس بحياة الأديرة ولهذا غصت بالرهبان والنساك الفرادى والمتجمعين في الأديرة يعيشون في عزلة كما كان يعيش أنطونيوس، أو جماعات كما كان يعيش باخوم". إلى أن يقول"وكان رئيس الدير يطلب إلى الرهبان أن يطيعوه طاعة عمياء". (وهذا ما ستعرفه العلاقة بين الشيخ والمريد في العالم الإسلامي حتى الآن) .

ونختم كلام ديورانت بقوله"وكان الشرق الأدنى ينافس مصر في عدد رهبانها وراهباتها وعجائب فعالهم. فكانت أنطاكية وبيت المقدس خليتين مليئتين بالصوامع والرهبان والراهبات وكانت صحراء سوريا غاصة بالنساك".

ولنتكلم هنا عن الطاوية، التي هي نسبة إلى الكلمة"طاوا"وتعني"الطريق وأسلوب العمل"ويلاحظ أن المعنى قريب من استعمال متصوفة المسلمين لكلمة الطريقة، وقد ظهرت الطاوية في الصين قبل كونفوشيوس حوالي القرن الرابع قبل الميلاد، واستعملها كونفوشيدوس بمعنى"الطريق الصحيح للعمل"، وتدور حول عقيدة وحدة الوجود حتى إن أحد الباحثين ذهب إلى أن التصوف عند المسلمين امتداد للطاوية.

هذا الامتداد أو التقارب يظهر بوضوح في الجينية. نسبة إلى مؤسسها مهاويرا الملقب بجينا [1] ، والجينية تتبع طريقة الاشراق التي أشرنا إليها. للوصول إلى حالة الذهول، وعدم الإحساس بالمحيط، وفناء كل اتجاه مادي وهو ما يسميه متصوفة المسلمين بالجذبة.

ولنلق نظرة خاطفة على"الفيدا"ككتاب مقدس عند الهندوس. يقول"كرشنا"، وهو إله تجسد في صورة إنسان مخاطبا"أرجونا"وهو ملك مقدس:"من يكون موهوبا بفهم نقي ويضبط نفسه، ولا يلتفت إلى مواضيع الحس، ويلقي بالجاذبية والاشمئزاز بعيدا، ويسكن في عزلة ويأكل القليل، ويضبط كلامه وجسده وعقله، ويعتنق التأمل والتركيز، ويلقي الإحساس بالذات والقوة والتنافر والرغبة والبغضاء أو الملكية، بعيدا. أو لا يكون أنانيا بل هادئا في عقله، يستحق أن يصبح براهمان، (وبراهمان عندهم هو الإله الخالق) عندما يصبح الإنسان واحدا مع براهمان، ويكون هادئا في روحه، فلا يحزن،"

(1) - أي القاهر والمتغلب، ازداد سنة 599 قبل الميلاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت