ولا يرغب، وعندما يعتبر كل الكائنات على السواء ويصل إلى التعبد السامي، إلىَّ بالتعبد يعرفني، ويعرف من أنا، وما هو مقامي، وعندما يعرف من أنا يدخل فيَّ. الرب يسكن قلوب الكائنات ... إلى أن يقول: الحكمة أكثر سرية من كل الأسرار التي أعلنتها لك، فكر فيها تماما واعمل ما تشاء". انتهى كلامه"
إن قضية السر والسرية هي من الأمور الجوهرية والأساسية عند متصوفة المسلمين وسنتناول كل الأمور المشتركة بين متصوفة المسلمين وغيرهم من المتصوفة في الفصل القادم.
ولنتأمل هذه الجمل من كتاب مقدس أخر عند البوذيين هو كتاب ..."فايسيسكا سوترا". حيث جاء في الكتاب الأول الفصل الثاني. الوجود واحد بسبب وحدة العلامة! وفي الكتاب الثاني الفصل الثاني. وحدة الزمن تتوضح بتوضيح وحدة الوجود.
يتحدث آسين بلاثيوس [1] عن اليوجا وهي رياضة تعبدية إشراقية بقصد الوصول إلى الإشراق والمعرفة الإشراقية والجذبة، يمارسها الهندوس والبوذيون والصينيون. فيقول"ومذهب الفيدا الوارد في الأوبانيشاد يجعل غاية الكمال والسعادة في حشد الروح باستبعاد كل خاطر غير فكرة الموجود المطلق، وأصحاب نظام اليوجا كانوا يستخدمون من أجل الوصول إلى هذه الغاية طريقة الإتحاد الذاتي التنويمي شبيهة جدا بما قرره ابن عربي، فكان اليوجي يجلس القرفصاء ساكنا بلا حراك، ونظره مثبت وانتباهه مستغرق في الحرفين"أم"وهو اسم من أسماء براهما، ثم يقع في جذبة تفقده الشعور."
والمتصوف عند اليهود هو الذي يصل إلى الجذبة ويسمونه"بنبي"ويسمون الشيخ المسلك أو المربي"بصوفي"sophi والواصلون عندهم على ثلاث درجات، نبي، ثم رائي، ثم بصير. والبصير عندهم هو المرشد المربي، وهو عندهم"صوفي"كما قلنا.
وقد ظهرت فيهم عدة طرق صوفية أهمها"الإلكسائية"و"الأبيونية".
أما عند النصارى فقد عرفت الصوفية باسم"الغنوصية"gnosis وهي كلمة يونانية تعني المعرفة. والغنوصي هو العارف وهو مصطلح يستعمله أيضا متصوفة المسلمين. وكان مريدو الغنوصية يتناقلونها سرا، وقد تشعبت الصوفية عند المسيحيين إلى أكثر من مذهب. فنجد مثلا القديسة تيريزا الأفيلية وهي اسبانية تؤمن بعقيدة الاتحاد فتقول في قصيده لها:"واتحاد النفس بالله في القران الروحي شبيه بشمعتين تذوبان معا حتى يصبح نوراهما نورا واحدا".
بينما يؤمن القديس خوان دي لاكروث وهو اسباني أيضا. بوحدة الوجود التي هي عقيدة متصوفة المسلمين، وهما عقيدتان متناقضتان في التصوف، فيقول"حبيبي هو الجبال والوديان المنعزلة المليئة بالأشجار، والجزر الغريبة، والأنهار الرنانة وصفير الرياح والليل الساكن".
(1) - في كتابه"ابن عربي"ص 187