فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 136

ولا بلسانه أو قلمه. بل لم يضمن كتابه الضخم إحياء علوم الدين بحثا عن الجهاد رغم أن الكتاب تناول الفقه والعقيدة، والقتال في سبيل الله لا ينفك عن هذين الموضوعين، ورغم أن الظرف والوقت يقتضيه، لكن الغزالي كان يؤسس لما يسميه مالك بن نبي القابلية للاستعمال،

وابن عربي في هذه الظروف كان يقول:

لقد صار قلبي قابلا كل صورة.

فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوثان وكسب طائف

وألواح توراة ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أين توجهت ... كتائبه فالحب ديني وإيماني.

وابن الفارض كان يتغزل بإلهه الذي يجسده في جسد أنثى تعالى الله عما يقول المجرمون علوا كبيرا، إذن لماذا يجاهد هؤلاء طالما أن الله هو عين كل شيء وأن الحب هو دينهم. للأسف كانت هذه هي المعاني التي يؤمن بها عامة المسلمين وتلقن لهم في الدروس والمساجد والزوايا.

ويصل التواكل والذل والحماقة لحد الامتناع عن الدعاء على المعتدين فينقل لنا حجة الإسلام أبو طالب المكي والحجة الأخرى أبو حامد الغزالي، ينقلان لنا هذا الضلال والشرك."ولما دخل الزنج البصرة فقتلوا الأنفس، ونهبوا الأموال، اجتمع إلى سهل إخوانه، فقالوا: لو سألت الله تعالى دفعهم؟ فسكت ثم قال: إن لله عبادا في هذه البلده لو دعوا على الظالمين لم يصبح على وجه الأرض إلا مات في ليلة واحدة، ولكن لا يفعلون قيل: لم؟ قال لأنهم لا يحبون ما لا يحب، ثم ذكر من إجابة الله لهم أشيئا لا يستطاع ذكرها حتى قال: ولو سألوه أن لا يقيم الساعة لم يقمها" [1] ، وطبعا الحجتان موافقتان على هذا الذل والتواكل والتولي يوم الزحف، وهو أمر عادي، لكن المستغرب هو كيف يوافقا على التطاول على الله تعالى بقوله ولو سألوه أن لا يقيم الساعة لم يقمها، وما هي الأشياء التي لا يستطاع ذكرها أكثر من هذه. يعلق الإمام الهمام حجة الإسلام الغزالي في نفس الصفحة على هذا الكلام فيقول: وهذه أمور ممكنة في أنفسها، فمن لم يحظ بشيء منها فلا ينبغي أن يخلو عن التصديق والإيمان بها إلى أخر هذيانه.

فكيف تنتصر هذه العقيدة وهذه الأفكار وهذه النفسية وهذه القيادة، لقد أصبح هؤلاء الكهان هم الذين يحركون الأمة ويرسمون مسارها بعد أن تخلت عن كتاب ربها وهدي نبيها ونهج صحابته وقد كانت هذه الفترة هي أوج ازدهار الصوفية وصعود نجمها وانتشار باطلها وظلامها، في هذه الفترة أصيبت الأمة بمصيبة التتر، فغزوا البلاد وأبادوا العباد، وها هو ابن الأثير الجزري يحكي لنا خروج التتر

(1) - قوت القلوب 2/ 81 و الإحياء 4/ 305

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت