فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 136

هذا فيما يخص اشتقاق الكلمة، أما ما قالوه في تعريفها فإن أقوالهم تضاربت ورغم كثرتها فهي أبعد من أن تسمى تعاريف لأنها لا تعرف شيئا ولا توضح شيئا، ولو قرأها القارئ آلاف المرات ما استطاع أن يعرف معنى التصوف. فقد ذكر قطب الدين أبو المظفر منصور بن اردشير السنجي المروزي. وهو صوفي فارسي توفي سنة 491 هـ، أكثر من عشرين تعريفا للصوفية. وأما القشيري فذكر في رسالته"الرسالة القشيرية"أكثر من خمسين تعريفا نقلا عن الصوفية المتقدمين. فهل هذا هو الرقم الأخير لتعريفات الصوفية؟ أم أن هناك المزيد؟

يذكر السراج الطوسي [1] أكثر من مائة تعريف. ولا زال سوق المزايدات مفتوحا. يقول السهروردي [2] :"وأقوال المشائخ في ماهية التصوف تزيد على الألف قول". وقبل أن يتفاقم الرقم وتتناسل التعريفات إلى ما لا نهاية له، نختم بقول الحامدي:"الأقوال المأثورة في التصوف قيل: انها زهاء ألفين" [3]

وبعد هذه الآلاف المؤلفة من التعريفات لنلق نظرة على بعضها، ينقل السراج الطوسي أن الجنيد سئل عن التصوف فقال:"أن تكون مع الله تعالى بلا علاقة".

قيل لأبي الحسين أحمد بن محمد النوري: من الصوفي؟ فقال"من سمع السماع وآثر بالأسباب".

وينقل القشيري عن الجنيد أنه قال:"التصوف عقدة لا صلح فيه".

وأما الشبلي فيقول"التصوف برقة مخرقة"؟؟؟!!

وذكر السلمي عن أبي محمد المرتعش النيسابوري أنه سئل عن التصوف فقال:"الإشكال والتلبيس والكتمان"؟؟؟؟؟؟.

ألغاز وأحاجي لا تنتهي، لكن هناك تعاريف أخرى واضحة غير أنها مشحونة بأسلوب الإشارة الذي سنوضحه في الصفحات المقبلة، والذي لا يفهمه إلا المتمرس بأساليب ومصطلحات المتصوفة، فيقول أحدهم: أن التصوف هو استعمال كل خلق سني وترك كل خلق دني. ويقول آخر"التصوف كله أخلاق فمن زاد عليك بالأخلاق زاد عليك بالتصوف". قد تكون هذه التعريفات واضحة ظاهرا، لكن القوم يقولون لكل ظاهر باطن، و حتى الشريعة عندهم لها باطن لا يعرفه إلا المتصوفة. وهكذا فكلمة الأخلاق وراءها ما وراءها، فما هو تعريف الخلق عندهم، و متى يكون سنيا ومتى يكون دنيا. ذاك عالم آخر لا يمكن لداخله إلا أن يكون مفقودًا. لكن ما سبب هذه التعريفات الهروبية والالتوائية. إنه الخوف من الحقيقة. ومكر الليل والنهار، وقد انتهى الدكتور محمد وراضي:"إلى أن التصوف علم"

(1) - في"لمعه"ص 47

(2) - في كتابه"عوارف المعارف"ص 57

(3) - مقدمة التعرف لمذهب أهل التصوف لمحمود النواوي ص 11.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت