موضوعه الأفكار الدينية النظرية، والممارسات التعبدية الصادرة عن السالكين، لطرق محدثة في العبادة، ومنهج دراستها منهج تأصيلي يقوم على التمحيص والمقارنة لمعرفة ما إذا كانت مطابقة أو غير مطابقة للوارد في كل من الكتاب والسنة" [1] . وها هي بعض التوضيحات:"
أولا:
"سوفيا"كلمه يونانيه تعني الحكمة، ومنها أيضا"حكمة الإشراق"، وأيضا"فيلوسوفيا"، أي الفلسفة. وممن قال بهذا الاشتقاق، أبو ريحان البيروني المتوفى سنة 440 هـ، وقد كان قريب عهد بزمن ذيوع الكلمة. وكان أيضا يتقن أكثر من لغة أجنبية. يقول:"ومنهم (أي من قدماء اليونانيين) من كان يرى الوجود الحقيقي العلة الأولى فقط ... والحق هو الواحد الأول فقط، وهذا رأي السوفية، وهم الحكماء، فإن"سوف"باليونانية الحكمة، وبها سمى الفيلسوف"بيلاسوبا"أي محب الحكمة، ولما ذهب في الإسلام قوم إلى قريب من رأيهم سموا باسمهم". [2]
ولمزيد من تأكيد هذا الطرح هناك دلائل وقرائن أخرى كزمن ظهور هذا المصطلح ومكانه، والتشابه بين عقيدة وطريقة المتصوفة المسلمين وفلاسفة اليونان.
فقد ظهر مصطلح"الصوفية"في القرن الثاني الهجري في فترة تفشت فيها ظاهرة إستعارة الكلمات اليونانية واستعمالها في مختلف الفنون. كالأسطرلاب و السفسطائية والموسيقى والفلسفة ... الخ.
أما المكان الذي ظهرت فيه، فهو مراكز الترجمة، كبغداد وبعض المدن حولها، وخاصة فارس. وفي هذه الأماكن بالضبط ظهر أوائل الذين عرفوا بهذا الاسم"المتصوفة". فيقال أن جابر بن حيان الكيميائي المعروف، أول من أطلق عليه هذا الاسم وهو شيعي من الكوفة. وقد جاء في دائرة المعارف الإسلامية [3] أن."كلمة صوفي كانت أول أمرها مقصورة على الكوفة". وبالضبط على زهاد الشيعة بالكوفة، فهم أول من تسمى بالصوفية.
و أول من سمى بهذا الاسم أيضا ببغداد عبدك الشيعي الذي حرم اللحم على نفسه، بل قال أن الدنيا حرام، حرام ما فيها، لا تحل إلا بإمام عادل.
بالإضافة إلى بغداد والكوفة والشام، ظهر التصوف في خراسان وتركستان أول الأمر. وهذه المناطق كانت مركز تلاقي الديانات والثقافات الغربية والشرقية، ولما دخل أهلها في الإسلام صبغوه
(1) - في مؤلفه:"التصوف الطرقي بالمغرب المعاصر سوس نموذجا". بحث لنيل الدكتوراة، لم يطبع.
(2) - الفلسفة الهندية ص 32
(3) - دائرة المعارف الإسلامية الطبعة العربية ج 5 ص 266