فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 136

إن المتأمل في أحوال متصوفة المسلمين وعقائدهم ورياضاتهم ومجاهداتهم، لايجد فيها التزاما كليا بمبادئ الإسلام وتعاليمه، تمثلت في المعتقدات أو في العبادات أو في المعاملات أو في الأخلاقيات، إنها أقرب ما تكون شبها بالمذاهب التي مرت معنا في الفصل الأول. فيسقط المتصوفة مثلا، قصة"بوذا"على إبراهيم بن أدهم، حتى أن المرء ليعجب من كثرة التفاصيل المتشابهة بين القصتين.

وهناك أدلة وشواهد وقرائن كثيرة، تبين أن طريقة الإشراق التي عرفتها الديانات والفلسفات القديمة، هي نفسها التي تسربت إلى المسلمين تحت مسمى الصوفية. وأول هذه الأدلة والقرائن، اسم الصوفية نفسه. والذي ليست له أي علاقة بالإسلام، ولم يستعمل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد أصحابه [1] . كما أن الكلمة ليست عربية، وقد أورد ابن خلدون في المقدمة كلاما للقشيري يقول فيه:"لا يشهد لهذا الاسم - أي التصوف - اشتقاق من جهة العربية ولا قياس، والظاهر أنه لقب".

ومهما حاول البعض اختطاف الكلمة والهروب بها بعيدا عن معناها الحقيقي، فإن التأويل و التزوير لا يسعفانه. فقد قال بعضهم مثلا: أن الصوفية مأخوذة من الصفاء. ونقل الكلاباذي الملقب بتاج الإسلام [2] ، أقوالا عديدة في أصل الكلمة، فقال قالت طائفة إنما سميت الصوفية صوفية لصفاء أسرارها. وقال بشر بن الحارث: الصوفي من صفت لله معاملته. فصفت له من الله عز وجل كرامته. وقال قوم: إنما سموا صوفية لأنهم في الصف الأول بين يدي الله عز وجل بارتفاع هممهم إليه. ونسب بعضهم الاسم إلى أهل الصفة [3] الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى غير ذلك من التعريفات التي تصعب الإحاطة بها [4] ، فلو كانت الصوفية مأخوذة من الصفاء لسميت صفائية، أما نسبتها لأهل الصفة رضوان الله عليهم فلا تصح، وإلا قيل الصفية وليس الصوفية هذا دون أن نقارن بين حال الفرقتين.

(1) - عند ابن خلدون في المقدمة، الفصل الحادي عشر في علم التصوف، ص 467، قال:"هذا العلم من العلوم الشرعية الحادثة في الملة". ويهمنا هنا كونه علما حادثا، بل نزيد على كلام ابن خلدون، أنه ليس فقط علما حادثا، بل طريقة في التعبد حادثة، وطريقة في تلقي الأحكام حادثة.

(2) - توفي سنة 380 هـ، راجع كتابه"التعرف لمذهب أهل التصوف"بالخصوص الباب الأول منه.

(3) - هم الذين كانوا يسكنون جوار مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالمدينة المنورة. والصفة بيت صيفي يكون مسقوفا بجريد النخل ونحوه، كلهم مهاجرون فقراء، لا مساكن لهم ولا مال، وهم المقصودون في قوله تعالى:"للفقراء الذين الذين أحصروا في سبيل الله، لا يستطيعون ضربا في الأرض، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، تعرفهم بسيماهم، لا يسألون الناس إلحافا"فهل هذا هو حال أرباب الطرقية في زماننا أصحاب الألقاب والأموال والجاه والسلطان.

(4) - فأحمد زروق في"قواعد الصوفية"، يتحدث عن ألفي تعريف، وهناك من يرى أن تعاريف التصوف مرتبطة بأعداد المتصوفة، يعني أن لكل متصوف تعريفه، مادامت التعاريف انطباعات شخصية، لا تعريفا جامعا مانعا كما يقول المناطقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت