أن يحتج عليه أو على أتباعه أحد بآية أو حديث لآن ما وصل إليه وما يتبعه، دليله الكشف. والنظر المباشر في اللوح المحفوظ. أما قيمة القرآن والوحي عند القوم فهي ما ستقرأه، يقول ابن عجيبة:"سمع شيخ شيخنا مولاي العربي (أي الدرقاوي) رضي الله عنه يقول: سمعت الفقيه البناني يقول: كادت حكم ابن عطاء الله أن تكون وحيا، ولو كانت الصلاة تجوز بغير القرآن لجازت بكلام الحكم" [1] .
وهذا المرسي أبو العباس تلميذ أبي الحسن الشاذلي يقول"لو كان الحق سبحانه وتعالى يرضيه خلاف السنة، لكان التوجه في الصلاة إلى القطب الغوث أولى من التوجه إلى الكعبة" [2] .
ويقول أيضا"لو كشف عن نور الولي لعبد من دون الله" [3] .
وليس غريبا على من هذا حالهم أن يردوا النصوص القطعية ويتعاملوا مع القرآن الكريم بهذه النفسية المريضة والعقلية الجاهلية والعقيدة الإبليسية طالما أنهم يعتقدون أن الوحي الذي جاءنا عن طريق القرآن هو كشف ورياضة إلى غيرها من خزعبلاتهم التي أعتقد أن القارئ تمرن عليها وخبرها.
يقول الغزالي:"والمدرك الثاني الوحي للأنبياء والإلهام للأولياء، ولا تظن أن معرفة النبي صلى الله عليه وسلم لأمور الآخرة ولأمور الدنيا تقليد لجبريل عليه السلام، فإن التقليد ليس بمعرفة صحيحة، والنبي صلى الله عليه وسلم، حاشاه الله من ذلك، بل قد انكشفت له الأشياء وشاهدها بنور البصيرة كما شاهد ت أنت المحسوسات بالعين الظاهرة" [4] .
وهذا الفهم المبتدع للوحي هو الذي جرأهم على إنكار رواية الحديث، فهم يعتقدون أنه باستطاعتهم تلقي العلم مباشرة من الله تعالى دون وسائط. وقد كان أبو يزيد البسطامي يقول لعلماء زمانه: أخذتم علمكم ميتا عن ميت، وأخذنا علومنا عن الحي الذي لا يموت، وكان الشيخ أبو مدين إذا اسمع أحدا من أصحابه يقول في حكاية أخبرني بها فلان عن فلان يقول لا تطعمونا القديد، يريد بذلك رفع همة أصحابه، يعني لا تحدثوا إلا بفتوحكم الجديد الذي فتح الله تعالى به تعالى قلوبكم في كلام الله تعالى أو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذا علمت أن القوم لا يأخذون دينهم ميتا عن ميت، وبعبارة واضحة لا يقبلون رواية الحديث لآن رواتها أموات، فلا تستغرب للطوام والدواهي القادمة، من مخالفة النصوص القطعية من الكتاب والسنة على السواء.
يقول البوصيري في بردته:
وكيف تدعوا الدنيا ضرورة من لولاه لم تخرج الدنيا من العدم
(1) - ص 4 من نفس المصدر
(2) - طبقات الشعراني 2/ 14
(3) - الإيقاظ ص 156 واللطائف ص 95
(4) - الكشف والتبيين ص 210