وينقل حجة الإسلام نفس الكلام للجنيد فيقول:"وقال الجنيد رحمه الله أحب للمريد المبتدئ أن لا يشغل قلبه بثلاث، وإلا تغير حاله. التكسب وطلب الحديث والتزوج. وقال (أي الجنيد) : أحب للصوفي أن لا يكتب ولا يقرأ لأنه أجمع لهمه" [1] .
ويقول الطوسي:"وقال بعضهم: إذا رأيت الفقير قد انحط من الحقيقة إلى العلم فاعلم أنه قد فسخ عزمه وحل عقده" [2] .
و يقول القشيري:"سمعت منصورا المغربي يقول: رأى بعضهم الخضر عليه السلام فقال له: هل رأيت فوقك أحدا؟ فقال: نعم، كان عبد الرزاق بن همام يروي الأحاديث بالمدينة، والناس حوله يستمعون، فرأيت شابا بالبعد منهم رأسه على ركبتيه، فقلت: هذا عبد الرزاق يروى أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم لا تسمع منه؟ فقال: إنه يروي عن ميت، وأنا لست بغائب عن الله عز وجل، فقلت له إن كنت كما تقول فمن أنا؟ فرفع رأسه وقال: أنت أخي أبو العباس الخضر. فعلمت أن لله عبادا لم أعرفهم" [3] .
كل هذه الترهات والأكاذيب المضحكة تسمى علما وكشفا، عند القشيري وعند من روى عنه. إعراض عن العلم ومجالس العلماء وادعاء أن الخضر قام من قبره، كل هذه الترهات يمكن أن يجدوا لها مخرجا، لكن علمهم الجاهل لم يستطع إخبارهم أن عبد الرزاق بن همام كان يحدث باليمن وليس بالمدينة.
ولنسمع لمحمد محمد أبو خليل، وهو يقول:"وكان شيخنا (الغوث محمد أبو خليل) رضي الله عنه ينهانا عن قراءة الكتب، ويقول: من اجتهد في عبادة الله. نور الله بصيرته، وعرف ما في الكتب وما ليس في الكتب بطريقة إلالهام والكشف" [4] . فهذا الأفاك الأشر الغوث القطب، ينهانا عن قراءة الكتب ويدعي أن العلم يكتسب بالكشف، وهو في ادعاءه هذا يرد على رب العزة كلامه ويستدرك عليه حين قال {إقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم} . إن محاربة العلم والاشتغال به ومجالس العلماء. هي عقيدة مترسخة في العقل الصوفي، لاعتقادهم أن العلم والاشتغال به حجاب يحول بين عقل وقلب الإنسان، وبين الحقيقة والرؤية والسمو. التي هي سمة الصفوة والخاصة من الناس، أي أهل التصوف. قال شيخهم الأكبر ابن عربي:"من قال لك لا تبرح العلم فقد قتلك بسيف الأبد" [5] .
(1) - إحياء علوم الدين 4/ 206
(2) - اللمع ص 233.
(3) - الرسالة القشيرية ص 166
(4) - المربي ص 417
(5) - رسائل ابن عربي ص 58.