فإلى جانب علمه بالقرآن والسنة، فهو عالم بالأسرار والأنوار والأذواق وهي تعني علم الغيب والكرامات والكشوفات التي مرت معنا سابقا والإطلاع على اللوح المحفوظ إلى غيرها من الضلالات. إن اهتمام بعضهم بالعلوم الشرعية إلى جانب علومهم اللدنية إنما للتعمية والمناظرة بها، وهذا خاص بشيوخهم، لكن المريدين والأتباع ينصحون بعدم الاشتغال بها، والاهتمام فقط بالذكر والصحبة والسهر، والنظر في وجه الشيوخ حتى يكونوا فريسة سهلة في أيديهم يعجنونهم كيفما شاءوا.
وهذا نص آخر لأبي الحسن الشاذلي أورده ابن عجيبة الحسني قال:"إنا لننظر إلى الله ببصر الإيمان والإيقان، فأغنانا عن الدليل والبرهان، وإنا لا نرى أحدا من الخلق، فهل في الوجود أحد سوى الملك الحق" [1] .
النص يتحدث عن وحدة الوجود وبما أن الدليل والبرهان الذي هو الكتاب والسنة لم يسعفه للاستدلال على عقيدته الفاسدة، فقد استغنى عنها ببصر الإيمان والإيقان، الذي هو التحقق والذوق والكشف.
وهذا نص آخر يبين موقفه الحقيقي من العلوم الشرعية،"العلوم التي وقع الثناء على أهلها، وإن جلت فهي ظلمة في علوم ذوي التحقيق، وهم الذين غرقوا في تيار بحر الذات، وغموض الصفات، فكانوا هناك بلا هم، وهم الخاصة العليا الذين شاركوا الأنبياء والرسل الصلاة والسلام في أحوالهم" [2] .
والعلوم الشرعية إذن ظلمة مقارنة مع علوم ذوي التحقيق أي الصوفية أهل الخاصة، الذين شاركوا الأنبياء والرسل أحوالهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
وهذا صاحبنا ابن عجيبة يقول:"وقال شيخ شيوخنا سيدي علي رضي الله عنه: الجلوس مع العارفين أفضل من العزلة، والعزلة أفضل من الجلوس مع العوام، والجلوس مع العوام أفضل من الجلوس مع المتفقرة الجاهلين، والجلوس مع علماء الظاهر أقبح في حق الفقير من جميع ما تقدم، والله ما رأيت فقيرا صحبهم فأفلح في طريق القوم أبدا، فلا قاطع أعظم منهم أبدا" [3] .
أما إمام الوجود شهاب الدين السهروردي البغدادي يقول في (عوارف المعارف) "قال أبو سليمان الداراني: ثلاث من طلبهن فقد ركن إلى الدنيا. من طلب معاشا، أو تزوج امرأة أو كتب الحديث".
(1) - إيقاظ الهمم ص 44
(2) - الطبقات الجزء 2 ص 11
(3) - الفتوحات الإلهية ص 330