وأظن أن القارئ الكريم أصبح يعرف ماذا يعنون ب"لم يروا إلا الله"،"لم يبق عندهم إلا الله"،"انتفت منهم الكثرة بالكلية"،"استغرقوا بالفردانية المحضة"والغزالي بارع في استعمال هذه العبارات، وقبل الانتقال إلى نص آخر، يجب أن لا ننسى تزكية الغزالي لمن ادعى أنه جزء من الله كالحلاج والشعراني وغيره. وفي هذا المعنى يقول ذو النون المصري كما نقل القشيري"معاشرة العارف كمعاشرة الله تعالى يحتملك ويحلم عنك تخلقا بأخلاق الله عز وجل"، وفي نفس الصفحة أيضا من نفس الكتاب، ينقل كلاما للحسين بن منصور (الحلاج) قال:"إذا بلغ العبد إلى مقام المعرفة أوحى الله تعالى إليه بخواطره وحرس سره أن يسنح فيه غير خاطر الحق" [1] .
ويحدثنا ابن عجيبة عن حقيقة العارف فيقول:"وحقيقة العارف هو الذي فني عن نفسه وبقي بربه، وكمل غناه في قلبه لا يحجبه جمعه عن فرقه ولا فرقه عن جمعه، يعطي كل ذي حق حقه ويوفي كل ذي قسط قسطه" [2] . وهذا مغربي آخر اسمه عبد العزيز الدباغ (قطب الواصلين) يقول:"إن الله تعالى لا يحب عبدا حتى يعرفه به، وبالمعرفة يطلع على أسراره تعالى، فيقع له الجذب إلى الله تعالى" [3] .
وهذا كلام لسعيد حوى في كتابه (تربيتنا الروحية) وكتابه هذا كما يقول محمود عبد الرؤوف القاسم مجرد اقتباسات وتفريعات وزيادات على كتابي ابن عجيبة"إيقاظ الهمم"و"الفتوحات الإلهية". يقول سعيد حوى"نحن نعلم أن هناك حالات للسالك يحس فيها بأحادية الذات الإلهية ويستشعر فيها اسم الله الصمد وهي حالة سيستشعر فيها السالك فناء كل شيء، ولكن هذا الشعور لابد أن يرافقه الاعتقاد بأن الله خالق، وأن هناك مخلوقا وأن الخالق غير المخلوق" [4] . وكلام سعيد حوى يقصد به الفرق الثاني أو مقام الفرق في الجمع وهو مقام العارفين، وقد مر معنا الحديث عن هذه الألفاظ لكن لا بأس بالتذكير بها بعجالة.
الفرق عندهم أن تفرق بين الخالق والمخلوق أو رؤية الخلق بلا حق، والجمع هو أن تجمع بين الخلق والحق، أو رؤية الحق بلا خلق، أما الفرق في الجمع فأن تعتقد أنك جزء من الله، وأن الكون هو الله، ومع ذلك تعترف بالعبودية، وهذا هو مقام العارفين. يقول ابن عجيبة:"الجمع رؤية الحق بلا خلق، والفرق رؤية الخلق بلا حق، فإن كان بعد الجمع فهو رؤية الخلق والحق، والحاصل أن أهل الجمع لا يشهدون إلا الحق، وأهل الفرق لا يشهدون إلا الخلق، ويستدلون على الحق، وأهل الفرق في الجمع يشهدون الخلق والحق، أعني يشهدون الواسطة والموسوط من غير فرق بينهما" [5] .
(1) - الرسالة ص 142
(2) - الفتوحات الإلهية ص 413
(3) - الإبريز ص 217.
(4) - تربيتنا الروحية ص 79
(5) - إيقاظ الهمم ص 388