سئل أبو يزيد البسطامي عن صفة العارف فقال:"إن لون الماء من لون إنائه" [1] . وسئل الحسين بن علي بن يزدانير: متى يكون العارف بمشهد الحق؟ قال"إذا بدا الشاهد وفني الشواهد، وذهب الحواس، واضمحل الإحساس". وقد شرح الكلاباذي هذا الكلام فقال:"معنى بدا الشاهد". يعني شاهد الحق،"وفناء الشواهد"بسقوط رؤية الخلق عنك."وذهاب الحواس"هو معنى قوله"فبي ينطق ويبصر" [2] .
و للذين لازالوا لم يتمرسوا بالعبارة الصوفية، يريد أن يقول: حين يرى الله فقط ولا يرى الخلق، ورؤية الله فقط، تعني أن كل ما يراه وكل ما تقع عليه عينه فهو الله، ثم في مرحلة أخرى سيصبح هو أيضا جزءا من الله، عندما تذهب حواسه ويفنى إحساسه. وهذا هو تفسيرهم للحديث، كنت سمعه وبصره ...
و يقول الشبلي نفس الكلام مجيبا عن نفس السؤال، بنفس الجواب لكنه يضيف عبارة أوضح من نور الشمس في رابعة النهار في آخر كلامه فيقول"ولم يبق إلا شعور الذات بالذات" [3] وينقل عنه الشعراني أنه قال"المعرفة أولها وآخرها ما لا نهاية له" [4] وأترك القارئ يحلل هذه العبارة، بمساعدة الإمام الأكبر والكبريت الأحمر ابن عربي، والإمام الهمام حجة الإسلام الغزالي.
يقول ابن عربي"العارف المكمل من رأى كل معبود مجلى للحق يعبد فيه إلها، مع اسمه الخاص بحجر أو شجر أو حيوان أو إنسان أو كوكب أو فلك" [5] .
أما الغزالي فيقول:"فمن عرف الحق رآه في كل شيء، إذ كل شيء فهو منه وإليه وبه وله، فهو الكل على التحقيق" [6] .
ويقول:"العارفون بعد العروج إلى سماء الحقيقة، اتفقوا على أنهم لم يروا في الوجود إلا الواحد الحق، ولكن منهم من كان له هذه الحالة عرفانا علميا، ومنهم من صار له ذوقا وحالا، وانتفت منهم الكثرة بالكلية، واستغرقوا بالفردانية المحضة. فلم يبق عندهم إلا الله، فسكروا سكرا وقع دونه سلطان عقولهم، فقال بعضهم"أنا الحق"وقال الآخر"سبحاني ما أعظم شاني"وقال الآخر:"ما في الجبة إلا الله" [7] ."
(1) - معالم في الطريق إلى الله ص 113
(2) - التعرف ص 136
(3) - معالم الطريق إلى الله ص 113
(4) - الطبقات 1/ 104
(5) - الفصوص ص 195
(6) - الإحياء 1/ 254
(7) - مشكاة الأنوار ص 122