فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 136

ويتفرع عنها عقائد أخرى لا تقل خطورة، أشرنا إليها سابقا وسنشير إليها لاحقا بمزيد من التفصيل، من أقوالهم وكتبهم، من شيوخهم وعارفيهم. وهم في هذه العقيدة بين مصرح بها و داع إليها، وبين مشير لها مستعملا الإشارة والرمز وهي لغتهم التي يتقنون، وبين مستعمل للتقية والمراوغة والكذب والحيلة، وبين كاتم لها مخافة أن يهوي سيف الحلاج على رقبته، وأغلب الكتب التي ألفت في القرن الثالث عشر الهجري وقبله بقرون تحمل كلها عقيدة وحدة الوجود وما يدور حولها من عقائد وفلسفات. وهذا يفسر القول الذي قلنا سابقا أنهم لا يرفعون رؤسهم إلا إذا واتت الظروف السياسية. وأيضا تدني مستوى الأمة العلمي، ويعلنون عقائدهم وهم يدورون مع هذه العلة تصريحا أو تلميحا، وفي القرنين الأخيرين حينما بدأت الأمة تعود لدينها، بدءوا يختبئون، بل يكذبون وينكرون جهارا نهارا، وكلما زاد الوعي بالسنة والكتاب ازدادوا غموضا وتعمية، ولو كانوا صادقين لتبرؤوا من شيوخهم، شيوخ الضلالة والزندقة والكفر، ولأحرقوا تلك الكتب السوداء سواد قلوبهم ووجوههم، هذا إذا ذهبنا إلى أبعد حد في التفاؤل، لكن القوم مازالوا يدينون بدين آبائهم وأجدادهم، يقول الشيخ محمد مهدي الرواس [1] :

آمنت بالله الوجود كله ... سواه يفني وهو باق لم يزل

فطهر القلب لقدسه وكن ... ممتثلا كتابه كما نزل.

فهذه أبيات صريحة وواضحة بأنه يؤمن بالله، ولكن ليس طبعا الله الذي يؤمن به المسلمون إنه الوجود كله إله الهنادكة والبوذيين. وإن وجد هذا الشيخ وغيره من الأسباب ما يجعله يصرح بمعتقده، فلغيره من الأسباب أيضا، ما يجعله يلمح أو يكتم.

قال بعض المتكلمين لأبي العباس بن عطاء: ما لكم أيها المتصوفة قد اشتققتم ألفاظا أغربتم بها على السامعين؟ وخرجتم على اللسان المعتاد، هل هذا إلا طلب للتمويه؟ أو ستر لعوار المذهب؟. فقال أبو العباس ما فعلنا ذلك إلا لغيرتنا عليه، كي لا يشربها غير طائفتنا، ثم اندفع يقول:

أحسن ما أظهره ونظهره بادئ حق للقلوب نشعره

يخبره عني وعنه أخبره أكسوه من رونقه ما يستره

عن جاهل لا يستطيع ينشره يفسد معناه إذا ما يعبره

فلا يطيق اللفظ بل لا يعشره ثم يوافي غيره فيغبره

وله أبيات أخرى:

إذا أهل العبارة ساءلونا أجبناهم بأعلام الإشارة

(1) - المجموعة النادرة ص 291.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت