ل 1867 ميلادية، وأنه كان يسهر مع أصحابه وخلفائه، على سيرها بل كان يدقق حساباتها؟؟. ومعلوم أن هذه الأعراض لا تظهر إلا على نوع واحد من المرضى والمجانين هم المتصوفة. فهي مدرسة صوفية قال عنها محمد أسلم في أفكار وعقائد مشايخ التبليغ"دار العلوم مسلما دينا، وأهل سنة وجماعة فرقة، وحنفي مذهبا وصوفي مشربا، وأشعري عقيدة، وجشتي سلوكا، وولي الله فكرة، وقاسمي أصولا وشيدي فروعا، وديوبندي نسبة".
وقد ولد محمد إلياس لأب صوفي هو الشيخ محمد إسماعيل، فكبر وترعرع في هذه البيئة الصوفية، وقد أخذ البيعة على الطرق الصوفية من مشايخها، كما تمت إجازته وتزكيته ليعطي البيعة لغيره، وكان ينقطع إلى قبور مشايخ الصوفية وأوليائهم، ويعتكف عندهم غارقا في التفكير والتأمل، بل كان يصلي بالجماعة هناك.
وقد كان الشيخ مهموما بحال المسلمين آنذاك، حيث لم يبق لهم من الإسلام إلا اسمه، وبدا له أن الطرق والزوايا لاتقوم بواجبها، أو على الأقل الطريقة التقليدية التي تعمل بها غير مجدية، وغير فعالة في انتشال المسلمين من جهلهم، ففكر في تأسيس جماعته، وعرض الأمر على شيوخه، وكغيرها من الطرق الصوفية فقد كان التأييد الرباني راعيا وموجها لهذه الجماعة، بل آمرا بتأسيسها، دعونا نقرأ هذه الشهادات:
ينقل ميان محمد أسلم عن كتاب ملفوظات الشيخ محمد الياس لصاحبه محمد منظور النعماني قوله: أن الشيخ محمد إلياس انكشف له على هذه الطريقة بأن ألقي في روعه في المنام، تفسير جديد لقوله تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله) يقتضي الخروج للدعوة، فإنها لا تتحقق بالإقامة في مكان واحد، بدليل قوله تعالى (أخرجت) وأن الإيمان يزداد بالخروج بدليل قوله تعالى (تومنون بالله) بعد قوله (أخرجت للناس) وأن المراد بقوله (أمة) العرب والمراد بقوله (للناس) العجم. والعقيدة الصوفية واضحة من خلال تفسير القرآن بالرؤى والأحلام والكشوفات، كما أن التفسير الإشاري حاضر.
وقد نقل عن محمد إلياس نفسه أنه قال"أمرت بالقيام بهذا الأمر، أثناء إقامتي بالمدينة المنورة، وقيل لي سوف نستعملك، نكلفك بعمل". كذلك يقول أنه ألقي في روعه وهو نائم"إنكم مثل الأنبياء بعثتم للناس". وجاء في كتاب إرشادات ومكتوبات الشيخ محمد إلياس"إن الشيخ محمد إلياس لم يتشجع للقيام بهذا العمل حتى أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام به".
ويبرر محمد صوفي في كتاب مجالس الذكر، هذا الاختيار النبوي للشيخ محمد إلياس بقوله"إنه كان إمام عصره، كامل الولاية، كان تفكيره لله ومن الله، يدرك وجه عناية الله، وفي أمثاله قال الشيخ عبد القادر الجيلاني، إن قلوب أولياء الله أبواب الإرادة الإلهية".