إن حدوث هذه الخوارق على يد مدعي النبوة يدل على أمرين: الأول، أنهم سلكوا طريق الرياضة الإشراقية من عزلة وجوع وتركيز الخ. الأمر الثاني، أنهم أخذوا الطريقة من مسفاة من المسفايات اليهودية. لأن اليهود وحدهم الذين كانوا يسمون الإشراقي"نبيا"وكان يعرف عند غير اليهود باسم الكاهن أو العراف أو القديس. وليس مستبعدا أن العرب سواء قبل الإسلام أو بعده، كان منهم من ينضم إلى حلقات الإشراق اليهودية ويتسلك ويتربى على يد صوفييها بدافع حصول الخوارق على يده، وادعاء علم الغيب، وغيرها من الأمور التي كانت منتشرة، لدى الكهان والعرافين والسحرة والمجاذيب، فجاء الإسلام وشن عليهم حربا لا هوادة فيها.
قال تعالى"فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون" [1] وقال صلى الله عليه وسلم، فيما ما رواه مسلم عن حفصة:"من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه بما يقول، لم تقبل له صلاة أربعين يوما".
وقال فيما رواه الأربعة وأحمد والبيهقي والحاكم عن أبي هريرة مرفوعا:"من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم".
وبالإضافة إلى الحارث الدمشقي الذي ادعى النبوة، نجد مسيلمة وسجاح والعنسي كلهم ادعوها مثله، و ادعاها غيرهم ممن أعلن عن اسمه، وممن لم يعلن عنه لا يعلمهم إلا الله.
وهذا الطرح تدعمه الأماكن التي ظهرت فيها الصوفية بداية، كبغداد التي شهدت تواجد جالية يهودية تعرف باسم"الجالوت"وكان الدين السري الذي هو الصوفية منتشرا بينها مختلطا بالكهانة والسحر والدروشة. وليس مستبعدا أن مدعي النبوة تخرجوا من هذه المدارس والطرق ("المسفايات") ، كما أنه ليس من المستبعد أن يكون أوائل من تسموا"صوفي"كأبي هاشم الصوفي، المتوفي منتصف القرن الثاني الهجري، وغيره من أوائل المتصوفة تخرجوا من هذه"المسفايات"اليهودية وأطلق عليهم هذا الاسم المنتشر عند اليهود آنذاك، فأسسوا لنفسهم حلقاتهم الخاصة بالمريدين المسلمين؟؟.
وهناك طرح آخر لاشتقاق كلمة"صوفية". فقد جاء في"تلبيس إبليس"لابن الجوزي:"قال أبو محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ: قال سألت وليد بن القاسم إلى أي شيء ينسب الصوفي، فقال: كان قوم في الجاهلية يقال لهم صوفة، انقطعوا إلى الله عز وجل وقطنوا الكعبة فمن تشبه بهم فهم الصوفية، قال عبد الغني فهؤلاء المعروفون بصوفة ولد الغوث بن مر بن أخي تميم بن مر". ولست أدري إن كان لدرجة الغوث التي تطلق على شيوخ المتصوفة علاقة باسم صوفة ولد الغوث.
ولقد كانت الصوفية منتشرة في جزيرة العرب قبل الإسلام، وكانت معروفة باسم الكهانة حيث كان في كل قبيلة كاهن. ومن أشهر كهان الجاهلية شق بن صعب القسري. وروي عن حنظلة الطائي أنه فارق قومه وتنسك، وبنى ديرا بالقرب من شاطئ الفرات حيث ترهب فيه حتى مات، وكذلك قيل
(1) - الطور، آية 29.