فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 136

أخذ الشيخ نصوح يتناول من هذه الحجارة الواحدة بعد الأخر، ويقذفها باتجاه فلسطين مع ترديد صوت رْ رْ رْ رْ رْ. بصوت عال عندما ينطلق الحجر من يده، وصوت بوم م عندما يسقط على الأرض. وأخذ المريدون يفعلون نفس الشيء، يأخذون الحجارة من سلاسلها، ويقذفونها باتجاه فلسطين، وكانت أصوات (ر ر ر ر ... بوم م ... ر ر ر ر ... بوم م) تنطلق في الفضاء ببعضها مغطية أصوات وقع الحجارة أو ارتطامها ببعضها. بقي الفقراء هكذا طيلة ساعات، زالت بعدها معالم الحدود بين العقارات، وتوعرت أراضي سيئي الحظ الذين كان نصيبهم أن يحصل هذا الجهاد في أرضهم.

بعد منتصف الليل، عاد المجاهدون إلى بيوتهم منهكين من التعب فرحين بما تيسر لهم من الجهاد في سبيل الله على يد شيخهم العظيم.

في الصباح، ذهب أحد المجاهدين إلى دكان بقال صديق في حاجة له، وأثناء الحديث أخبره بغزوة الليل، فما كان من البقال إلا أن طلب من صديقه البقاء في الدكان ريثما يعود، وخرج مسرعا إلى البيت الذي ينزل فيه الشيخ، حيث وجد القوم مجتمعين عنده، فسلم وجلس بخشوع ظاهر، وبعد أن استأذن من الشيخ بالكلام قال له: يا سيدي رأيت هذه الليلة حلما شغلني، أريد أن أعرضه عليك، رأيت أني في إسرائيل، ورأيتك هناك، ومعك جماعة لم أتبين وجوههم، في أيديكم القنابل تلقونها على اليهود، وكانت كل قنبلة تقتل عددا منهم.

انفلت الشيخ نصوح يصيح بصوت عال:"الله أكبر، الله أكبر"، أنت ولي أنت مكاشف، تبركوا به يا مؤمنون هذا ولي مكاشف ... إلى أخر ما قاله. وعاد البقال إلى دكانه وقد ربح زبائن جدد لبقالته.

ولعل قارئا أو سامعا يظن أن هذه حادثة شاذة، فنقول له، بل هي من صميم الصوفية، تورد كتبهم ما يشبهها عن أبي يعزى، وأبي مدين الغوث، وأي الحسن الشاذلي، وأحمد البدوي، وأحمد الرفاعي، وعبد القادر الجيلاني وغيرهم الكثير، ولعل كثيرا من القراء سمعوا الأنشودة الصوفية:

"الله الله يا بدوي وجا باليسرى"أي جاء بالأسرى [1] .

ولا زلت أكرر ما وقع من فساد وإفساد وتخلف وانهيار واستسلام للأعداء هو بسبب انتشار هذا الفكر وهذه العقائد الدخيلة على ديننا، يقول أبو الحسن الندوي"كانت العقائد والتقاليد المشتركة نالت رواجا بين عامة المسلمين باختلاطهم مع غير المسلمين ... وانتشار تعليمات الجهلة والضالة من الصوفية وأعمالهم، فقد وجد عدد وجيه من المسلمين في ذلك الحين يعتقدون في أئمة دينهم ومشايخهم والأولياء والصالحين منهم الاعتقادات الفاسدة ... وكل ما كان يدور حول قبور الأولياء والمشايخ كان تقليدا ناجحا للأعمال والتقاليد التي كانت تنجز في معابد غير المسلمين وقبور المقدسين عندهم، فالاستعانة منهم والاستغاثة بهم، ومد يد الطلب والضراعة إليهم كل ذلك عامل شائع بينهم، كما عمت عادة بناء"

(1) - ص 815 و 816

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت