ونختم الكلام بقول أحد المعاصرين هو عبد القادر عيسى (وهو شاذلي) يقول:"وان الطريقة واحدة في حقيقتها، وإن تعددت المناهج العملية وتنوعت أساليب السير والسلوك، تبعا للاجتهاد وتبدل المكان والزمان ولهذا تعدد الطرق الصوفية وهي في ذاتها وحقيقتها وجوهرها واحدة" [1] .
وكثير من النصوص لمتقدمي ولمتأخري الصوفية والمعاصرين أيضا تنطق بهذه الحقيقة، فكيف يحاول البعض التفريق والتماس الأعذار والتأويلات. لتبرئة ساحة كثير من المتصوفة على أساس أنهم مختلفون ولا علاقة لهم بمتقدمي وغلاة الصوفية.
وقد نحسن الظن ببعض هؤلاء المدافعين عن التصوف إما لعدم اطلاعهم على مقالات القوم أو لاغترارهم ببعض أقوالهم وانطلاء حيلة التقية عليهم، فكتمان أفكارهم ومعتقداتهم دين يتواصون به ويؤكدون عليه.
فهذا عبد السلام الأسمر في كتابه الوصية الكبرى كما يورده إحسان إلهي ظهير نقلا عن تذكرة الأولياء يقول:"إخواني، وسنذكر لكم كلاما في المغيبات لكن يجب الإمساك عنها إلا لأهله الذين يكتمونه، ولا ينبغي إظهاره للسفهاء الذين يلحقون به إلى الأمراء والجبابرة وأهل الدنيا"ويقول الشعراني عن الجنيد"أنه كان يستر كلام أهل الطريق عمن ليس منهم، وكان يستتر بالفقه والإفتاء على مذهب أبي ثور، وكان إذا تكلم في علوم القوم أغلق باب داره، وجعل مفتاحه تحت وركه" [2] . وينقل أيضا عن الشاذلي قوله: امتنعت عني الرؤيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رأيته، فقلت: يا رسول الله، ماذا نبا؟ فقال: انك لست بأهل لرؤيتنا لأنك تطلع الناس على أسرارنا" [3] ."
ويروى عن أبي بكر الشبلي أنه قال: كنت أنا والحسين بن منصور (أي الحلاج) شيئا واحدا إلا أنه أظهر وكتمت. ويحكي كل من أحمد بن زروق وأحمد ابن عجيبة"أن الجنيد كان يجيب عن المسألة الواحدة بجوابين مختلفين، فكان يجيب هذا بخلاف ما يجيب ذاك" [4] .
ويحكي تاج الإسلام أبو بكر الكلاباذي أن الجنيد قال للشبلي:"نحن حبرنا هذا العلم تحبيرا، ثم خبأناه في السراديب فجئت أنت فأظهرته على رؤوس الملأ" [5] . وكرر له نفس التحذير في جواب على الرسالة كان قد أرسلها له كما يحكي صاحب"اللمع" (الكتاب العمدة في التصوف) فيقول الجنيد
(1) - في حقائق عن التصوف ص 171.
(2) - اليواقيت والجواهر 2/ 93
(3) - الطبقات 2/ 75
(4) - قواعد التصوف ص 11 و إيقاظ الهمم ص 144.
(5) - التعرف لمذهب أهل التصوف ص 145