فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 56

حقها في بحث المشكلات الدينية الأساسية وحلها، تلك المشكلات التي يطالب اللاهوت باحتكارها، والتي ترى الفلسفة أنها فوقها ومهيمنة عليها، بل قد يغالي بعض الفلاسفة فيزعم أن (الربّ) وغيره من المقولات الدينية ليست سوى صنائع للإنسان نفسه، ما يغدو أن يحوّلها إلى خالق، لتكون النتيجة شلّ حركة الإنسان وتعطيل أفكاره، فيجهد نفسه في البحث عمّا هو أفضل للحياة، وهكذا اعتقد فيورباخ أنّ هذا العصر هو عصر) أنسنة الرب (، فيصبح اللاهوت علم الإنسان، وبهذا ينتهي زمن الرب وبقاء الروح، ويظهر مذهب جديد في ثوب بشري [1] .

ولعل محاولة أوجست كونت في وضع (دين الإنسانية) يدخل في هذا المنحى؛ إذ لم ير أن الكون يهيمن عليه رب خالق مدبر، ولكنه في الوقت نفسه رأى أن الدين نافع لحياة الإنسان وتقدمها، وأنه هو الشيء الذي اختُّص به النوع الإنساني، وأن الدين هو المبدأ الأكبر الموحد لجميع قوى الفرد الواحد من الناس، والموحد لجميع الأفراد من الناس، في مجتمع متماسك متآخٍ متحابب، فرأى أن (يخترع) دينًا بديلًا يجتمع عليه الناس.

ولما رأى أن معنى الإنسانية هو أرفع المعاني، وأنه الشيء الوحيد الذي يكفل وحدة المعرفة لكل الناس: جعل (الإنسانية) في دينه هذا هي الجهة المقصودة بكل الأعمال الدينية، باعتبار معنى الإنسانية المجرد عن المشخصات هو (الموجود الأعظم) ، وهو المعنى الذي ينبغي التوجه له بالعبادة، لتحل هذه (الإنسانية) محل الرب الخالق (سبحانه وتعالى) ، ثم رأى أن تُوَجَّه العبادةُ بالفكر والعاطفة والعمل، لمحبة الإنسانية وخيرها، وتقدمها الارتقائي.

بل قدم في دينه هذا نوعًا من العبادة وضع لها معالم، وقسمها إلى عبادة (مشتركة) ، وعبادة (فردية) ، ووضع لتلك العبادة نظمًا وهيئة (إكليريكية) ، وبدا له أنه ينبغي أن تكون السلطة المدبرة لشؤون المجتمع الإنساني تدبيرًا محكمًا، سلطة روحية، تجمع بين السلطات السياسية والأمور الطبيعية، ولا توجد سلطة روحية قوية غير سلطة العلماء، الذين يتولون مهمات الحكم بالروح والسياسة، استنادًا إلى الواجب، وقد جعل كونت شعار هذه السلطة مؤلفًا من ثلاثة مبادئ: محبة الناس؛ لأنها واجبة، وحفظ النظام والأمن؛ لأنهما أساس المجتمع، وتيسير السبل لتقدم المدنية؛ لأنها هدف الإنسانية.

وقد استجاب لكونت في دينه الجديد بعض المشايعين في فرنسا وإنجلترا والسويد وأمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، وأقاموا لهم معابد!!، وتبعوا في كل بلد كاهنًا ولوه أمور هذا الدين الذي ابتدعه هذا

(1) انظر: الشيخ أكبر قنبري، عقلنة الدين .. قراءة تاريخية في المشهد الغربي، ترجمة: محمد عبد الرزاق، مجلة (نصوص معاصرة) ، مركز البحوث المعاصرة، بيروت، ع/5، 1 مايو 2010 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت