أرضه ويظهر دينه الحق على الدين كله، وإني لا أشك في أن لك الرغبة التامة في نشر مذهبك هذا وترويجه بين الأمم الشرقية والغربية ... ولكن تمام العمل إنما يكون بإرسال رجال ممن وافقوك في المشرب الصحيح لينشئوا مدارس في البلاد المشرقية، خصوصًا بلاد سوريا، وليطبعوا هذا الرسم الشريف في النفوس الصافية من أبناء الطوائف المختلفة، فتنمو بركتها وتجذل ثمرته. وإنني- على عجزي - مستعد لمساعدتك فيما تقصد من تقريب ما بين الملتين بكل ما يمكنني" [1] ."
وقد أقر بذلك أيضًا الدكتور محمد عمارة عن محمد عبده:"في هذه الفترة أسس جمعية سرية للتقريب بين الأديان، شارك فيها عدد من رجال الدين المستنيرين ممن ينتمون إلى الأديان السماوية الثلاثة"، ثم ينقل عنه قوله:"إن القرآن وهو منبع الدين، يقارب بين المسلمين وأهل الكتاب، حتى يظن المتأمل فيه أنه منهم، لا يختلفون عنه إلا في بعض أحكام قليلة، ولكن عَرَضَ على الدين زوائد أدخلها عليه أعداؤه اللابسون ثياب أحبائه، فأقسوا قلوب أهاليه! ..." [2] .
الحالة الثانية: ما ذكره الدكتور محمد محمد حسين أيضًا، حيث يقول:"ونرى صورة أخرى من هذه الدعوة، فيما رواه الطبيب حسين الهراوي، نقلًا عن الشيخ حمزة فتح الله: أن أحد الفرنسيين زار مصر في أوائل هذا القرن [العشرين] ، وأخذ يفاوض أعلام الإسلام في فكرة توحيد الأديان، حتى لقي الشيخ حسن الطويل، وكان يتناول طعام الإفطار فولًا مدمسًا وبصلًا وخبزًا، وأخذ المبعوث الفرنسي يحدث الشيخ عن فكرته، قائلًا: إن الفروق بين الأديان لا تتجاوز مسألة هينة غير أساسية، وأن الغرض من الأديان كلها هو الدعوة إلى الخير والنهي عن الشر. فلما فرغ الفرنسي من حديثه، وفرغ الشيخ من طعامه، وكرع من القلة، لم يزد على أن قال: هل لك يا خواجة في أكلة لذيذة من الفول المدمس؟!."
ويقول كاتب هذا المقال: إنه قد علم من الشيخ حمزة فتح الله الذي روى له هذه القصة رأي الشيخ الطويل (رحمه الله) في هذا الأمر، ولكنه لا يريد أن يذكره. ويكتفي بذكر رد بعض الأقباط حين قال لهذا الفرنسي: إن من الخير للعالَم وللإنسانية أن يُهمِل فكرته؛ حتى لا يأتي بمذهب جديد" [3] ."
(1) الأعمال الكاملة للإمام الشيخ محمد عبده، تحقيق وتقديم: د. محمد عمارة، دار الشروق، القاهرة، ط 1، 1414 هـ- 1993 م، ج 2، ص 356.
(2) الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده، مصدر سابق، ج 1، ص 29 - 30.
(3) د. محمد محمد حسين، المصدر السابق، ج 2، ص 319 - 320.