أعظم عليك من أعظم ذنب عمله الحجاج، واعلم أن الله عز وجل حَكَمٌ عدل، إن أخذ من الحجاج لمن ظلمه شيئًا فشيئًا، أخذ للحجاج ممن ظلمه، فلا تشغلن نفسك بسب أحد"؛ اهـ."
-فالمسموح به في حالة التعرض للظلم أن يقول المظلوم:"ظلمني فلان حقي، أكل مالي ..."، وليس الدعاء على الظالم، وهذا هو المفهوم من قوله تعالى: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا} [النساء: 148] .
وانظر حينما أوذي نوح عليه السلام، فإنه دعا قائلًا: {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} [القمر: 10] ، فكان من ثمرة هذا الدعاء المهذب ما حكاه القرآن: {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} [القمر: 11، 12] .
فليكن توجهنا إلى الله، وشكوانا إليه؛ فإنه يسمع ويرى.
-ولله در القائل:
أحبُّ مكارمَ الأخلاق جهدي = وأكره أن أَعِيبَ وأن أُعابا
وأصفَحُ عن سِبابِ الناس حِلْمًا = وشرُّ الناسِ مَن يهوى السِّبابا
(أدب الدنيا والدين: ص 303) .
-الصبر على المظلمة طلبًا لثواب الله أفضل من الانتصار من الظالم:
ويدل على هذا قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل: 126] .
فأذن للمظلوم في الانتصار بقدر مظلمته، والصبر على المظلمة أفضل؛ طلبًا لثواب الله.
وقد روي في الحديث الذي أخرجه الحاكم من حديث أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( قال الله تعالى: إنك إن ذهبت تدعو على آخر أنه ظلمك، وإن آخر يدعو عليك أنك ظلمته، فإن شئت استجبنا لك وعليك، وإن شئت أخرتكما إلى يوم القيامة فأوسعكما عفوي ) ).
ومعنى الحديث: أن الإنسان ربما يكون له حق وعليه حق، فإذا دعا على ظالم استوفى حقه، وبقي الذي عليه، لكن إن لم يدع هو على من ظلمه، ولم يدع عليه أحد قد ظلمه هو، فالله سبحانه وتعالى يعفو عنهما يوم القيامة، وقد جاء في حديث صحيح أخرجه الإمام أحمد عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ارحموا تُرحَموا، واغفِروا يُغفَر لكم ) ).
-أضف لهذا أن الله تعالى يزيده عزًّا بهذا الصبر.