-أما عن سب الصحابة وحكمه:
فإن سب الصحابة أنواع، ولكل نوع من السب حكمه الخاص به؛ فمن رمى الصحابة بالكفر أو الفسق ليس كمن رماهم بالبخل أو ضعف الرأي، ويختلف كذلك الحكم فيمن سبهم جميعًا أو أكثرهم، أو يكون السب لبعضهم أو لفرد منهم.
-أما من سب الصحابة بالكفر أو الفسق أو الردة، لجميعهم أو معظمهم، فلا شك في كفره؛ لأن العلم الحاصل من الكتاب والسنة الدال على فضلهم قطعي، ومن أنكر ما هو قطعي فقد كفر.
-يقول الهيثمي - رحمه الله تعالى:"ثم الكلام - أي الخلاف - إنما هو في سب بعضهم، أما سب جميعهم فلا شك في أنه كفر"؛ اهـ (الصواعق المحرقة: ص 379) .
-يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - كما في"الصارم المسلول" (ص 586) :
"وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر نفسًا - أو أنهم فسقوا عامتهم، فهذا لا ريب أيضًا في كفره؛ لأنه مكذب لما نصه القرآن في غير موضع، من الرضا عنهم، والثناء عليهم، بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين ... إلى أن قال:"وكفر هذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام"؛ اهـ."
-وقال ابن فرحون في كتابه"تبصرة الحكام" (2/ 213) :
"وأما من شتم أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - أبا بكر أو عمر أو عثمان أو عليًّا أو معاوية أو عمرو بن العاص - فإن قال: كانوا على ضلال، فقد كفر، وقُتل، وإن شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس، نكل نكالًا شديدًا، ومن سب أحدًا من آل النبي صلى الله عليه وسلم يضرب ضربًا وجيعًا، ويشهر، ويحبس طويلًا حتى تظهر توبته؛ لأنه استخفاف بحق الرسول صلى الله عليه وسلم؛ اهـ بتصرف."
-وقد استنبط الإمام مالك من قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [الفتح: 29] كُفْرَ من يبغضون الصحابة؛ لأن الصحابة يغيظونهم، ومن غاظه الصحابة فهو كافر، ووافقه الشافعي وغيره"؛ (الصواعق المحرقة: ص 317) ، (تفسير ابن كثير: 4/ 204) ."