وكلام عمر موجز في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أوتي جوامع الكلم وهو المذكور في السؤال: «إنما الإمام جنة، يقاتل من ورائه ويتقى به» .
فإذا لم يكن الخليفة ممكنا له سلطان على الأرض في كل بلاد المسلمين أو أغلبها على الأقل وله قوة وشوكة فلن يستطيع حماية الدين ولا نشره ولا دفع أعدائه عنه ولا الفصل بين المتشاجرين ولا قسمة الفيء، لا تجد الرعية منه خدمة ولا جُنّة عما يؤذيها، ولا يتقى به من مكروه، فأي معنى لمثل هذا الخليفة غير الإسم.
لتوضيح هذا الأمر أكثر عليك أن تقرأ كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة حيث يقول:
"ولهذا قال أئمة السلف: من صار له قدرة وسلطان يفعل بهما مقصود الولاية، فهو من أولي الأمر الذين أمر الله بطاعتهم مالم يأمر بمعصية الله، فالإمامة ملك وسلطان، والملك لا يصير ملكًا بموافقة واحد ولا اثنين ولا أربعة، إلا أن تكون موافقة هؤلاء تقتضي موافقة غيرهم بحيث يصير ملكًا بذلك، وهكذا كل أمر يفتقر إلى المعاونة عليه لا يحصل إلا بحصول من يمكنهم التعاون عليه، ولهذا لما بويع عليّ رضي الله عنه وصار معه شوكة صار إمامًا، ولو كان جماعة في سفر فالسنة أن يؤمِّروا أحدهم، كما قال النبي (: «لا يحل لثلاثة يكونون في سفر إلا أن يؤمِّروا واحدًا منهم» فإذا أمَّره أهل القدرة منهم صار أميرًا. فكون الرجل أميرًا وقاضيًا وواليًا وغير ذلك من الأمور التي مبناها على القدرة والسلطان، متى حصل ما يحصل به من القدرة والسلطان حصلت وإلا فلا، إذ المقصود بها عمل أعمال لا تحصل إلا بقدرة، فمتى حصلت القدرة التي بها يمكن عمل تلك الأعمال كانت حاصلة، وإلا فلا. وهذا مثل كون الرجل راعيًا للماشية، متى سُلِّمت إليه بحيث يقدر أن يرعاها، كان راعيا لها وإلا فلا، فلا عمل إلا بقدرة عليه، فمن لم يحصل له القدرة على العمل لم يكن عاملًا. والقدرة على سياسة الناس إما بطاعتهم له، وإما بقهره لهم، فمتى صار قادرًا على سياستهم بطاعتهم أو بقهره، فهو ذو سلطان مطاع، إذا أمر بطاعة الله. ولهذا قال أحمد في رسالة عبدوس بن مالك العطار: (أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله إلى أن قال:(ومن ولي الخلافة فأجمع عليه الناس ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين، فدفع الصدقات إليه جائز برًَّا كان أو فاجرًا) وقال في رواية إسحاق بن منصور وقد سئل عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية ما معناه فقال تدري ما الإمام؟ الإمام الذي يجمع عليه المسلمون كلهم"