أولًا: عليك أن تعلم أن الخلافة هي عقد بين الراعي والرعية، والعقود والعهود لا تكون إلا بالتراضي، فالإِمام ما هو إلا نائب ووكيل عن هذه الأمة ليدير لها أمورها ويسوسها بما فيه مصلحتها في الدين والدنيا، فإذا كان الحال كذلك فيلزم أن يكون ذلك لمن ترضاه، والرضى في الأصل أنه لا يعرف إلا بالمشاورة، ومن تأمل خلافة الخلفاء الراشدين جميعًا علم أنها كانت باختيار الأمة، وبالاستخلاف مع المشورة، قال الله سبحانه: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} وهل من أمور المسلمين أمر أهم من اختيار الخليفة؟ وقال سبحانه لنبيه: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} .
ومن أدلة اشتراط الشورى أيضًا ما جاء في البخاري أنَّ عمر رضي الله عنه خطب بمحضر جمهور الصحابة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان مما قال: (فمن بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع-وفي رواية يبايع-هو ولا الذي بايعه تَغِرَّهَ أن يقتلا) وهذا"إجماع صحيح لا شك فيه" [1]
ومنها قوله رضي الله عنه لأصحاب الشورى الستة (فمن تأمر منكم على غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه) رواه ابن سعد بسند صحيح كما قاله ابن حجر في الفتح في موضعين.
وروى المعرور بن سويد كذلك: سمعت عمر يقول (من دعا إلى إمرة من غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه) .
وقد وصف عمر رضي الله عنه من أراد أن يبايع رجلًا من غير مشاورة المسلمين أنه غاصب لحقهم وسيأتي نص كلامه في الأجوبة القادمة إن شاء الله عند الكلام على خلافة أبي بكر الصديق.
حالة واحدة يكون على المسلمين خليفة بلا مشورة، وهي حالة الخليفة المتغلب، وهو الذي يأخذها بالمغالبة وقهرًا بلا مشورة، بحيث يسيطر على جمهور بلاد المسلمين بالسيف والحديد، فهو خليفة بسيطرته على بلاد المسلمين لكنه ليس على منهاج النبوة في هذا الجانب.
ولكل ما سبق قرر أهل العلم أنه لا يتم اختيار الخليفة إلا بمشاورة أهل الحل والعقد، فتحصل برضى جمهورهم ومن ورائهم رضى جمهور المسلمين.
(1) مابين القوسين منقول من كتاب"إعلام الأنام بقيام دولة الإسلام"الصادر عن مؤسسة الفرقان إبان إعلان دولة العراق الإسلامية.