(وكذلك تركُ قتل من طعن عليه في حكمه بقوله في قصة الزبير وخصمه: أن كان ابنَ عمتك، وفي قسمهِ بقوله: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله. وقول الآخر له: إنك لم تعدل، فإن هذا محض حقه، له أن يستوفيه، وله أن يتركه، وليس للأمة بعده ترك استيفاء حقه، بل يتعين عليهم استيفاؤه، ولا بد ... ) ا. هـ
الثامن: أن الحرج الذي أشار إليه تعالى في الآية بقوله: (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا) ، هو الذي قد يكون منفيًا عنه كمال الإيمان الواجب، وذلك أن الحرج غالبًا لا تنفك عنه النفس الإنسانية، لا سيما مع ضعف الإيمان، والناس مراتب في هذا بحسب إيمانهم بالله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، فكلما زاد إيمان المرء زاد معه كمال التسليم، وانتفى معه الحرج بحسب ذلك، وإلا فإن كثيرًا من الناس -كما هو مشاهد-، يُدْعا إلى حكم الشرع في مسألة أو شجار بينه وبين خصمه، فيكون الحق عليه لا له، ثم يقال له: هذا حكم الله -تعالى-!، فيذعن ويقرُّ ثم ينصرف وهو يجد في نفسه حرجًا ما لا يعلمه إلا الله -تعالى-، ولا يلزم من ذلك كفره، ولذلك قال العلامة عبد الرحمن السعدي -رحمه الله- كما في تفسيره عند كلامه على الآية (فلا وربك ... ) قال: (فالتحكيم في مقام الإسلام، وانتفاء الحرج في مقام الإيمان، والتسليم في مقام الإحسان ... ) ا. هـ
قلت: فانظر كيف جعل أصل التحكيم في مقام الإسلام، ولازم ذلك، أن من لم يلتزم التحكيم مثل أن يعترض عليه، أو يردَّه، أو يتحاكم إلى غيره ... يلزم منه أن يكون ليس بمسلم ومن كان كذلك فهو كافر، بخلاف نفي الحرج، والتسليم، فإنه جعلهما في مقام الإيمان والإحسان، ولا يلزم من عدم وجود ذلك الكفر كما هو معلوم.
قلت: وهذا الذي كان أراده الإمام تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله- بقوله كما في الفتاوى (7/ 37) :
(والمقصود هنا أن كل ما نفاه الله ورسوله من مسى أسماء الأمور الواجبة كاسم الإيمان والإسلام والدين والصلاة والصيام والطهارة والحج وغير ذلك، فإنما يكون لترك واجب من ذلك المسمى، ومن هذا قوله تعالى:(فلا وربك ... ) (ثم ذكر الآية) ثم قال: فلما نفى الإيمان حتى توجد هذه الغاية دل على أن هذه الغاية [1] فرض على الناس، فمن تركها كان من أهل الوعيد، لم يكن قد أتى بالإيمان الواجب الذي وعد أهله بدخول الجنة بلا عذاب ... ) ا. هـ
(1) يعني بالغاية نفي الحرج والتسليم.