فهرس الكتاب

الصفحة 91 من 132

قلت: هذا هو الموضع الأول من كلام شيخ الإسلام الذي نقله المردود عليه وظن أنه يؤيد كلامه في أن المعترض على حكم الشرع أنه لا يَكْفُر، وقد علمت من كلام شيخ الإسلام السابق في الكلام على حديث الزبير في شراج الحرة، أنه كفّر المعترض على حكم رسول الله، فعُلِمَ أن كلامه هنا إنما يريد به دون ذلك من انتفاء الحرج والتسليم، وهو المطلوب.

التاسع: أنه عُلِمَ مما سبق أن الاعتراض على الحكم، أو ردّه، أو التحاكم إلى غيره، مثل الحاكمين بطاغوت العصر وهي القوانين الوضعية؛ أن هؤلاء لا يكونون مِمَّن يلتزم حكمَ الشريعة والعمل بها، فلإن كان الأنصاري الذي هو من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كفر بكلمة قالها، فكيف بمن يحكم بغير الشرع ويقدِّمه عليه؛ فلا شك أنه أكفر!، فمثل هذا يستحيل أن يكون مع هذا ملتزمًا لحكم الله ورسوله في الباطن، وإن ادّعى أنه مصدِّق، فإنه لا يكون مؤمنًا، فهو من جنس خرق أعمال القلوب كما كنا ذكرنا هذا سابقًا في مواضع متفرقة من هذا الرد المبارك، وهو مذهب أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل، والآية نصٌّ بكفرهم، فهذا وأمثاله لا يُسمى ملتزمًا لحكم الشرع- أصلًا-، كما قال ذلك الإمام ابن تيمية -رحمه الله- فيمن هذا حاله، قال:

(فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله، فلم يلتزموا ذلك، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار، ... ) ا. هـ

قلت: فمن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله -تعالى-، ثم عَدَل عن ذلك، فقد استحل التحاكم إلى غيره، ولا يلزم من ذلك التكذيب كما كنتُ ذكرتُ هذا فيما سبق التنبيه عليه، بل نفس العدول وهو عدم الالتزام بالشرع هو نفسه يسمى استحلالًا، وهو من جنس الاستحلال الفعلي ولو لم يصاحبه استحلال باللسان!، وهذا بعكس من كان ملتزمًا لحكم الشرع، ثم هو مع ذلك يحكم بغيره لهوى في نفسه، أو رشوة، أو لأجل قرابة ... أو غير ذلك، دون أن يكون مبدِّلًا للشرع كما هو حال الحاكمين بقوانين الفرنج، ومن هم على شاكلتهم، والخوارج أكفروا الجنس الثاني ممن قد يتبعون أهواءهم في هذا الباب، ولذلك ردَّ عليهم بعض السلف مثل ما يُروى في هذا عن ابن عباس وطاووس وغيرهما من أن هذا كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق، وليس هو مما نحن فيه كما كنتُ نبّهت عليه في غير هذا الموضع، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كما في (منهاج السنة) له (5/ 131) ما نصه:

(فمن لم يلتزم تحكيم الله ورسوله فيما شجر بينهم، فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن، وأما من كان ملتزمًا لحكم الله ورسوله باطنًا وظاهرًا، لكن عصى واتبع هواه، فهذا بمنزلة أمثاله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت