فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 132

فنقول: ليس في الحديث أن هذه القصة كانت بعد بدر، فلعلها كانت قبل بدر، وسُمِّي الرجل بدريًا لأن عبد الله بن الزبير حدّث بالقصة بعد أن صار الرجل بدريًا، (ثم ذكر حديث الزبير) ثم قال: وهذا يقوي أن القصة متقدمة قبل بدر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في سبيل مَهْزور أن الأعلى يُسقى ثم يحبس حتى يبلغ الماء إلى الكعبين، فلو كانت قصة الزبير بعد هذا القضاء لكان قد علم وجه الحكم فيه، وهذا القضاء الظاهر أنه متقدم من حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الحاجة إلى الحكم فيه من حين قدم، ولعل قصة الزبير أوجبت هذا القضاء) ا. هـ

قلت: وأيضًا؛ فإن حديث النبي عليه الصلاة والسلام في أهل بدر: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ، لا يعني ذلك أنهم لا يصدر منهم الكفر فضلًا عن الذنب، وإلا لو كان ذلك لتكلوا، ولكن معنى الحديث أنهم قد يصدر منهم ذلك، ولكنهم سرعان ما يتوبون ويستغفرون فيغفر لهم، أو أنهم قد يقعون بذنوب أخرى فيغفر لهم، فما كان لهم من ذنب لا يغفر إلا بتوبة واستغفار، فإنهم يوفقون لذلك حالًا ولا يصرُّون عليه، وما كان دون ذلك فإنه مغفور لهم في جنب جهادهم وذبّهم عن حياض الشرع المطهر، وإن لم يقرن باستغفار منهم، فالحديث يدل بمجمله على العناية بهم، وإلا فإن لفظ (ما) في الحديث من صيغ العموم، والكفر يدخل فيه، فإنه من أنواع الذنوب، ولذلك قال العلامة المناوي -رحمه الله- في كتابه (فيض القدير شرح الجامع الصغير) في شرح حديث البدريين ما نصه: (أي اعملوا ماشئتم أن تعملوا، فإني غفرت لكم ذنوبكم، أي: سترتها فلا أآخذكم بها؛ لبذلكم مهجكم في الله ونصر دينه، والمراد إظهار العناية بهم، وإعلاء رتبتهم والتنويه بإكرامهم، ... لا الترخيص لهم في كل ما فعل كما يقال للمحب: افعل ما شئت. أو هو على ظاهره، والخطاب لقوم منهم على أنهم لا يقارفون بعد بدر ذنبًا، وإن قارفوه لم يصروا، بل يوفقون لتوبة نصوح، فليس فيه تخييرهم فيما شاؤوا، وإلا لما كان أكابرهم بعد ذلك أشد خوفًا وحذرًا مما كانوا قبله) [1] ا. هـ

وقال العلامة القرطبي -رحمه الله- ما نصه:

(وقد ظهر لي أن هذا الخطاب خطاب إكرام وتشريف، تضمن أن هؤلاء حصلت لهم حالة غفرت بها ذنوبهم السالفة، وتأهلوا أن يغفر لهم ما يُستأنف من الذنوب اللاحقة، ولا يلزم من وجود الصلاحية للشيء وقوعه. وقد أظهر الله صدق رسوله في كل من أخبر عنه بشيء من ذلك، فإنهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنة إلى أن فارقوا الدنيا، ولو قدر صدور

(1) انظر (الفيض) (2/ 264 - 265) برقم (1686)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت