فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 132

السابع: أن هذا الأنصاري قد ورد عنه كما في بعض الطرق أنه كان قد شهد بدرًا كما في رواية شعيب بن أبي حمزة، وهو ثقة حجة، وإن كان أكثر الرواة لم يذكروا هذه الزيادة، فنحن نجيب عنها على افتراض صحتها، لأن الظاهر منها ذلك، وقد ثبت في الصحيحين مرفوعًا: (وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم) ، وهذا المردود عليه يجعل ذلك دليلًا على أنه لم يكفر هذا المعترض على حكم الرسول -عليه الصلاة والسلام- بحجة أنه بدري، والبدريّون لا يغفر لهم الكفر الأكبر، ولم يطالبه النبي -عليه السلام- بالإسلام!

فنقول: اثبت العرش ثم انقش، فمن أين لك أن هذه القصة كانت بعد وقعة بدر، بل لا بد أنها كانت وقعت قبل ذلك ثم رواها الزبير بعد الوقعة على أنها حكاية سابقة، وهذا جمع لا بُدّ منه، لأن محكمات النصوص الشرعية وإجماع أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل، يدلان دلالة صريحة على أن المعترض على حكم الشريعة لا بد وأن يكون كافرًا مرتدًا عن الإسلام، بل كيف لا تكون ردة جامحة وهي تتضمن اتهام النبي الكريم بالخيانة! كما سبق ذكر ذلك، فدلّ ذلك على أن الاستدلال بمثل هذا الدليل استدلال بالمتشابه، وتقديمه على المُحْكم كما هي طريقة أهل البدع.

ثم وقفت على كلام لبعض العلماء ذهبوا إلى مثل ما حكيته، كما حكى هذا الإمام الداودي، والإمام تقي الدين ابن تيمية -رحمهما الله-، فأما كلام الداودي، فقد نقله عنه الإمام الحافظ في (الفتح) (5/ 309) فقال ما نصه:

(وقد قال الداودي بعد جزمه بأنه كان منافقًا: وقيل كان بدريًا، فإن صحّ فقد وقع ذلك منه قبل شهودها لانتفاء النفاق عمن شهدها ا. هـ) ا. هـ

وأما كلام الإمام ابن تيمية، ففيه تفصيل أكبر من ذلك، قال هذا في كتابه (الصارم) حيث حكى في (3/ 986) فما بعدها ما حاصله:

(فإن قيل: ففي رواية صحيحة أنه كان من أهل بدر، وفي الصحيحن عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم) ، ولو كان هذا القول كفرًا للزم أنه يغفر الكفر، والكفر لا يغفر، ولا يقال عن بدري: إنه كفر.

فقيل: هذه الزيادة ذكرها أبو اليمان عن شعيب، ولم يذكرها أكثر الرواة، فيمكن أنها وهمٌ، ... لكن الظاهر صحتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت