فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 132

والمقصود من هذا، أنهم جعلوا قصة الزبير مع الأنصاري مما يشبه أسباب النزول الأخرى، ولم يمانعوا مع هذا أنها نزلت في الجميع، فهذا يدلّك على أنهم يجعلون أسباب النزول كلها من جنس واحد، وأنها خروج عن الإسلام، وأن الآية (فلا وربك ... ) إنما يعنون بها نقض أصل الإيمان، وليس خرق كماله الواجب كما يدّعي هذا المردود عليه، فقد قال الإمام النووي في صدد هذا كما في (شرح مسلم) له (15/ 108) فما بعدها ما نصه:

(وأما قوله في آخر الحديث(فقال الزبير والله إني لأحسب هذه الآية نزلت فيه فلا وربك لا يؤمنون) الآية، فهكذا قال طائفة في سبب نزولها، وقيل نزلت في رجلين تحاكما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحكم على أحدهما فقال ارفعني إلى عمر بن الخطاب، وقيل في يهودي ومنافق اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرض المنافق بحكمه وطلب الحكم عند الكاهن.

قال ابن جرير: يجوز أنها نزلت في الجميع والله أعلم)

قلت: وكذلك حكى الحافظ في (الفتح) مثل ذلك، ونقل عن ابن جرير مثل هذا الذي حكاه أبو زكريا النووي، وكذلك أيضا حكى شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه نقل تلك الأسباب في النزول كما في (الصارم المسلول) له، وَجَعَلَ ذلك كلهَّ من نفس معنى سبب النزول، ونحن لسنا هنا في صدد تحرير مسألة سبب النزول، وبيان الأقوى في ذلك، فإن هذا يطول الكلام فيه، وبسطه يحتاج إلى غير هذا الموضع، وإنما المقصود هنا أن بعض الأئمة المحققين جعلوا هذا كله من جنس واحد، وهو المطلوب.

السادس: أن كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ، ليست مجرد كلمة تقال على اللسان، فإن لها قيودًا ثقالًا كما هو معلوم عند أهل السنة، وإلا لو كانت مجرد تحريك اللسان، لكان كثير من صناديد الكفر يقولونها، فلما لزم منها الشروط المعلومة، امتنعوا عن التزامها، والقيام بموجبها، وإن من أعظم لوازم هذه الكلمة الطيبة القبول والانقياد، فمن كان يردّ حكم الله ورسوله -عليه الصلاة والسلام-، أو يعترض عليه، أو يتحاكم إلى غيره .. ، فهل مثل هذا يكون ملتزمًا حكم الله ورسوله عليه الصلاة والسلام؟!، فهذا من أمحل المحال، بل هو كما قال الإمام تقي الدين ابن تيمية"شيخ الإسلام"أنه قد اتهم محمدًا صلى الله عليه وسلم بالخيانة، وقد سبق ذكر كلامه في هذا، ونُعيده تذكيرًا به، فقد قال كما في (الصارم) (2/ 351) ما نصه:

(ومن زعم أنه يجورُ في حكمه أو قسمه فقد زعم أنه خائن، وأن اتباعه لا يجب، وهو مناقض لما تضمنته الرسالة من أمانته، ووجوب طاعته، وزوال الحرج عن النفس من قضائه بقوله وفعله، فإنه قد بلّغ عن الله أنه أوجب طاعته والانقياد لحكمه، ولأنه لا يحيف على أحد، فمن طعن في هذا فقد طعن في صحة تبليغه ... ) ا. هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت