قلت: وقد أبان الإمام تقي الدين -رحمه الله- سبب كفر المعترض على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم أو المعترض على قسمته، وأنه لا يكون مع ذلك مؤمنًا في الباطن، فقال كما في المصدر السابق (2/ 351) فما بعدها ما عبارته:
(ومن زعم أنه [1] يجورُ في حكمه أو قسمه فقد زعم أنه خائن، وأن اتباعه لا يجب، وهو مناقض لما تضمنته الرسالة من أمانته، ووجوب طاعته، وزوال الحرج عن النفس من قضائه بقوله وفعله، فإنه قد بلغ عن الله أنه أوجب طاعته والانقياد لحكمه، ولأنه لا يحيف على أحد، فمن طعن في هذا فقد طعن في صحة تبليغه، وذلك طعن في نفس الرسالة، .. لأن هذا الطاعن يقول: إنه رسول الله، وإنه يجب عليه تصديقه وطاعته، فإذا قال: إنه لم يعدل فقد لزم أنه صدّق غير عدل ولا أمين، ومن اتبع مثل ذلك فهو خائب خاسر ... ولأنه من لم يؤتمن على المال لم يؤتمن على ما هو أعظم منه ... فيجب أن يكون أحق أهل الأرض أن يتقي الله؛ إذ لولا ذلك لكانت الطاعة له ولغيره إن تساويا أو لغيره دونه إن كان دونه، وهذا كفر بما جاء به، وهذا ظاهر) ا. هـ
الرابع: أن سياق آيات الكتاب العزيز، يدلُّ على أن الآية (فلا وربك ... ) الآية، إنما يدل معناها على نفي أصل الإيمان، وليس كماله الواجب كما يدّعي هذا المردود عليه، دليل ذلك بداية الآيات الكريمة، حيث قال تعالى:
(ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ... إلى قوله: وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ... ثم قال: فلا وربك لا يؤمنون ... كما في سورة(النساء) (آية60) - آية (65) .
فأنت ترى كيف أن الآيات تحكي موضوعا واحدًا وهو الكلام عن الطاعة والتحاكم، وأن ذلك لا يكون لغير الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومعلوم كلام أهل العلم في تأويل قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين يزعمون ... ) وأن هذا فيه نفي أصل الإيمان كما لا يخفى، ولا شك أن آخر الآيات تبعٌ لأولها، والقرآن يصدق بعضه بعضًا.
الخامس: أن هذه الآية ذكر أهلُ العلم فيها أسبابًا لنزولها، وجعلوا تلك الأسباب من جنس واحد، دون تفريق، وفي بعض ذلك أن سبب النزول كان في المنافق الذي أراد الاحتكام إلى اليهود، وأبى الاحتكام إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ولا شك أن هذا كفر باتفاق، وهو خروج عن الملة.
(1) في الأصل (أن) ولعل الصواب ما أثبتناه والله اعلم.