فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 132

قلت: يشير بذلك إلى أن سبب اعفائه عن المعترض على حكم رسول الله -عليه الصلاة والسلام- كما في قصة الزبير، إنما هو بنفس السبب الذي عفا به عن غيره مثل من قال (اعدل فإنك لم تعدل) ، وأمثال ذلك، وقد كان سبب الإعفاء عند شيخ الإسلام هو لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، وأمثال هذا، برهان ذلك قوله في نفس كتابه (الصارم) (2/ 339) فما بعدها، ما نصه:

(السُّنَّةُ الرابعة عشرة: حديث الأعرابي الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم لما أعطاه: ما أحسَنْتَ ولا أجملت، فأراد المسلمون قتله، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم:(لو تركتكم حين قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار) وسيأتي ذكره في ضمن الأحاديث المتضمنة لعفوه عمن آذاه، فإن هذا الحديث يدل على أن من آذاه إذا قُتل دخل النار، وذلك دليل على كفره وجواز قتله، وإلا كان يكون شهيدًا، وكان قاتله من أهل النار، وإنما عفا النبي صلى الله عليه وسلم عنه ثم استرضاه بعد ذلك حتى رضي، لأنه كان له أن يعفو عمن آذاه كما سيأتي إن شاء الله.

ومن هذا الباب: أن الرجل الذي قال له لما قسم غنائم حنين:"إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله"، فقال عمر ادعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه"رواه مسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمنع عمر من قتله إلا لئلا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، ولم يمنعه لكونه في نفسه معصومًا ... ، فعلم أن قتل مثل هذا القائل إذا أمنت هذه المفسدة جائز، ولذلك لما أمنت هذه المفسدة أنزل الله قوله: (جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) فعُلِمَ أن من آذى النبي صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الكلام جاز قتله لذلك مع القدرة، وإنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتله لما خيف في قتله من نفور الناس عن الإسلام لما كان ضعيفًا"ا. هـ

وقال في نفس المصدر السابق (2/ 355) ما نصه:

(وبهذا يتبين سبب كونه في بعض الحديث يعلِّل بأنه يصلي، وفي بعضه بأن لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، وفي بعضه بأن له أصحابًا سيخرجون، ... فثبت أن كل من لَمَزَ النبي صلى الله عليه وسلم في حكمه أو قسمه فإنه يجب قتله، كما أمر به صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد موته، وأنه إنما عفا عن ذلك اللامز في حياته كما قد كان يعفو عمن يؤذيه من المنافقين لما علم أنهم خارجون في الأمة لا محالة، وأن ليس في قتل ذلك الرجل كثير فائدة، بل فيه من المفسدة ما في قتل سائر المنافقين وأشد) ا. هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت