قلت: ومن هذا الجنس من يترك الصلاة ويصرُّ على تركها حتى تضرب عنقه، فيستحيل أن يكون مؤمنًا في الباطن وهو مع ذلك يقدِّم عنقه على القيام بفعلها، ومن هذا الجنس -أيضًا- من يقرُّ بوجوب الحكم بما أنزل الله، وهو مع ذلك يحكم بغيرها، فإن هذا لا يكون إلا كافرًا في الباطن، وهو غير ملتزم للحكم بالشريعة، وإن قال بلسانه أنه يعتقد وجوب الحكم بها، وأنها هي الأولى والأحرى، فإن هذا لا يكون إلا كافرًا مرتدًا عن الإسلام، وذلك أن عدم الالتزام قد يكون بمعنى خرق أقوال القلوب، وهو كالذي يكذب بذلك، أو لا يقرُّ بوجوب ذلك أصلًا، وقد يكون ممن عرف وجوب ذلك، ولكنه لم يذعن لحكم الشريعة، بل قدم عليها غيرها من الأحكام الباطلة، وهذا يكون من جنس خرق أعمال القلوب، ولذلك صار عدم التزام يطلق عند الفقهاء على أحد المعنيين، إما على عدم الإقرار والاعتقاد، وإما على عدم الإذعان، كما قال في (معجم لغة الفقهاء) ص86 في معنى كلمة (الالتزام) في عرف الفقهاء ما نصه:
(والالتزام في عرف العلماء واصطلاح الفقهاء: الإيجاب على النفس أو الإذعان) ا. هـ
وقد نقل هذا المردود عليه في كتابه كما في ص24، وفسر كلمة (التزام) بالمعنى الأول دون الثاني، فقال:
(فإن قيل) : ما معنى (عدم الالتزام) ؟
فيقال: معناه عدم اعتقاد الإيجاب على النفس، قال في معجم لغة الفقهاء ... ) ا. هـ
ثم نقل الكلام السابق عن معجم لغة الفقهاء، لكنه اقتصر على المعنى الأول دون الثاني، وذلك لإرجائه.
وإنما غضبي للحق حيث أرى
إعراضكم عنه تعليلًا بلا علل
وأيضًا: فإن هذا الرجل علق الكفر على أسبابه وبواعثه، دون مناطه وعلّته، ومعلوم أن الكفر متعلق بالثاني دون الأول، وبيان ذلك أن يقال:
إن الكفر عند أهل السنة يكون بالقول، أو الفعل، أو الاعتقاد، أو الشك.