والاعتقاد أو الشك، أمران خفيان، وإنما الظاهر يكون بأحد أمرين، إما بالقول، أو الفعل، وذلك أنهما أمران ظاهرات منضبطان، فمناط الكفر عند أهل السنة يكون على أحد مناطين:
إما بالقول، أوالفعل، فمن وقع بقول أو فعل مكفِّر كان كافرًا، وهذا كالسَّفر عند أهل العلم، فمناط الأخذ برخص السفر هو إنشاؤه، فمتى أنشأ المسافر سفره كان له الأخذ برخصه، وأما المشقة أو العنت، فليس أحدهما بمناط لرخصة السفر، وذلك أن هذا أمر غير منضبط، وبعيد عن مقاصد الشريعة أن تعلق العلة بشيء مثل هذا، ولهذا كان الصحيح المقرَّر عند جماهير الأصوليين أن الأحكام تدور مع عللها لا مع حكمها وجودًا وعدمًا، فتأمل هذا فإنه في غاية الأهمية في هذا الباب.
والمقصود هنا: أن الإنسان قد يقع بقول أو فعل مكفِّر، فيكون كافرًا إذا ثبتت الشروط وانتفت الموانع بحقه، لكن بواعث الوقوع في الكفر كثيرة جدًا، ولا حصر لها، فمن وقع في الكفر الذي علق النص عليه الكفر كان كافرًا، ولا يشتغل بسبب كفره أو بواعثه كأن يكون عن حسد أو كبر أو بغض لله ورسوله ... إلى غير ذلك من الأسباب التي قد تكون سببًا لكفر الأمم، وهذا فضلًا عن أن تُعَلَّق أحكام الكفر على ذلك، كما يقول هذا المردود عليه، إذ يلزم من ذلك عدم كفر أحد من الخلق، فإنه ما من أحد يكفر إلا كان يستطيع أن يقول أنا لم أرد الكفر أو ما فعلتُ هذا لأجل الكفر بالله تعالى ولا بغضًا لله ولرسوله .... إلى غير ذلك من الأباطيل التي هي من لوازم هذا القول الفاسد، ولذلك قال شيخ الإسلام -رحمه الله- كما في (الصارم المسلول) (2/ 339) ما نصه:
(وبالجملة فمن قال أو فعل ما هو كفر كفر بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافرًا، إذ لا يكاد يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله) ا. هـ
قلت: فانظر كيف علّق الكفر بالقول أو الفعل، ثم أبان أنه لا يكاد يقصد الكفر أحد من الخلق إلا ما شاء الله.
وأيضًا: فإنه يقال لهذا الجاهل بهذا الأصل العظيم، أنه يلزم على قولك الفاسد عدم تكفير المستهزئين بالله ورسوله على سبيل الخوض واللعب، فإنهم ما أرادوا انتقاص الله ورسوله، ولا الازدراء بآيات الله، وإنما كانوا يتمازحون ويلعبون، لأجل قطع طريق السفر الشاق، فما قولك بهؤلاء؟!، وقد قال الله تعالى فيهم: (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون، لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ... الآية) .