الثاني: قوله (فلم يلتزموا ذلك) يعني أنهم عدلوا عن الحكم بما أنزل الله إلى غيره من العادات الجارية عندهم، مع علمهم بوجوب الحكم بما أنزل الله.
الثالث: قوله (بل استحلوا) ولا يلزم منه التكذيب كما هو معلوم، من معنى الاستحلال، فإن العلماء يستعملون لفظ (الاستحلال) بما يلزم منه التكذيب، وقد يريدون به مناطًا آخر للتكفير مستقلًا غير التكذيب، وهذا الذي نحن فيه هو من الجنس الثاني، وذلك أن القوم -هنا- عارفون بأنهم خارجون عن الشريعة، ومع ذلك لم يلتزموا الحكم بها، بل حكموا بغيرها من العادات الجارية عندهم، وهذا من الاستحلال الفعلي وهو ردة جامحة عن الإسلام، ولا يلزم منه الاستحلال القلبي كما يدّعي هذا المردود عليه، والمقصود هنا، أن الإمام ابن تيمية -رحمه الله- سمّى هذا الفعل منهم من العدول عن الشريعة: عدم التزام بالشرع، فعُلِمَ من ذلك أن عدم الالتزام يأتي بمعنيين عنده وعند غيره، فيأتي بعدم الإقرار والاعتقاد، ويأتي بمعنى الإصرار بعدم القيام بالفعل، أو الإصرار على الترك الذي يستحيل أن يقوم بالقلب إيمان صحيح وصاحبه مع ذلك يُصرّ على عدم القيام به أو تركه، وهذا يكون كالذي يترك الفرائض ويصر على تركها، ويعيش دهره كُلَّه لا يسجد لله سجدةً، ولا يحج .. الخ، فيستحيل أن يكون من يفعل ذلك له إيمان صحيح في الباطن، بل لا يكون إلا زنديقًا مارقًا، ولذلك كان تارك جنس العمل كافرًا مرتدًا من كل وجه كما هو مذهب السلف والأئمة الكبار كأحمد وغيره من العلماء، وقد قرر هذا الشيخ تقي الدين -رحمه الله- فقال كما في كتابه (الإيمان) : (فيمتنع أن يكون الرجل لا يفعل شيئًا مما أمر به من الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، ويفعل ما يقدر عليه من المحرمات ... وهو مع ذلك مؤمن في الباطن، لا يفعل ذلك إلا لعدم الإيمان في قلبه) ا. هـ
وقال في كتابه (الإيمان) الذي هو من جزء (الفتاوى) له (7/ 621) ما نصه:
(وقد تبين أن الدين لا بد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله وبقلبه ولسانه، ولم يؤد واجبًا ظاهرًا، ولا صلاة، ولا زكاة، ولا صيامًا ولا غير ذلك من الواجبات) ا. هـ
وقال كما في (شرح العمدة) في كتاب الصلاة ما نصه:
(فإن حقيقة الدين هو الطاعة والانقياد، وذلك إنما يتم بالفعل لا بالقول فقط، فمن لم يفعل لله شيئًا فما دان لله دينًا، ومن لا دين له فهو كافر) ا. هـ