فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 132

قلنا: فبذلك بان إرجاؤك بوضوح، من أنك تحصر الكفر بالاستحلال، وهو المطلوب.

وهذا غريب عن أقوال أهل السنة، القائلين بأن الإيمان قول وعمل، فإنه يستحيل عندهم، أن يكون المرء مؤمنًا في الباطن وهو مع هذا يتحاكم إلى الطاغوت، فهذا لا يكون إلا عن كفر في القلب وزندقة، وليس من لازم هذا أن يكون هذا المتحاكم إلى غير الشريعة مكذبًا في الباطن كما يقول هذا من يقوله من المرجئة، كما أبنّا ذلك سابقًا، من أن الكفر إنما يكون بالعمل أو القول، كما أن الإيمان كذلك، فمن أتى بما هو من جنس خرق أعمال القلوب، كان كافرًا في الباطن، وإن لم يكن مكذبًا بقلبه، فهو كافر ظاهرًا وباطنًا، وهذا بإجماع السلف وأئمة السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل.

والمقصود هنا: بيان أن المرجئة، يرون أن المتحاكم إلى الطاغوت، كافر ظاهرًا وباطنًا، وهذا عندهم دليل التكذيب، لأن القرآن نفى عنه الإيمان، ولا يكون ذلك إلا لتكذيبه عندهم، كما هو معروف من أقاويلهم، وأهل السنة يخالفونهم بذلك، ويرون أن هذا كافر ظاهرًا وباطنًا، ولا يلزم أن يكون مكذبًا في الباطن، كما هو معلوم من أصولهم.

وعليه: فإن الناس متفقون على كفر من تحاكم إلى الطاغوت، ولم يشترط أحد منهم الشرط الذي اشترطه غلاة المرجئة مثل المعترض وأصحابه، وأنا أطالبُ هذا المفتري على الله ورسوله أن يأتي بقول عالم واحد من المتقدمين يقول بكلامه هذا، بل لا يُعلم هذا عن عالم قال به قبل هؤلاء البلهاء، وقد كان هذا الأفّاك وقف على بعض عبارات لبعض أهل العلم، اغترّ بها، وظن أنها تنصر مذهبه الرديء، فقال ما قال من كلامه المذكور عنه سابقًا، فقد كان نقل كلامًا لابن العربي المالكي، وآخر لابن تيمية الحنبلي -شيخ الإسلام-، مفاده أن الشرع المبدّل هو تحليل ما حرم الله، أو العكس، بمعنى أن الذي يبدل الشرع باسم الشرع، فيدّعي أن هذا هو الشرع، فهذا هو التبديل دون سواه، وليس هذا مما نحن فيه، فإن هذا بعض صور تبديل الشرع، والشرع المبدَّل الذي نحن نتكلم عنه أعم منه، برهان ذلك، أن الإمام تقي الدين ابن تيمية نقل هذا وحرّره تحريرًا جيدًا، وظن هذا الجويهل أن كلام الإمام ينصر ما هو عليه من الباطل، فقد قال تقي الدين كما في فتاويه (3/ 268) ما نصه:

(ولفظ الشرع يُقال في عرف الناس على ثلاثة معان:

الأول: (الشرع المنزل) وهو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.

والثاني: (الشرع المؤوّل) وهو آراء العلماء المجتهدين فيها كمذهب مالك ونحوه ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت