محل النزاع في مسألة التولي، وما بعدها من الآيات موضحة لذلك على سبيل التمام والكفاية لمن رام القناعة.
والمقصود هنا: أنه لا يلزم من تكفير المتولي -وإن كان مقلدًا-، تكفير المجتهد مثل ابن جرير وأمثاله من أهل العلم ممن نحا منحاه، والله المستعان.
وبالجملة فإن هذا الكلام الذي يحكيه هذا المتهوّر، كلام مشين لمن تأمله، وفي القدم قيل: (ربّ كلمة قالت لصاحبها دعني) ، فإن هذا الهُراء الذي يحكيه هذا وأمثاله من المعاصرين، فتح على الأمة -ولا يزال- أبواب الكفر والردة من كل وجه، وصار مثل هذا الذي يحكيه هذا المفتري، جواب كثير من المعاصرين الذين تمرّغوا في حمأة الردة والضلالة، وصدق القائل: (لكل ساقطة لاقطة) ، فاتخذ كثير من الزنادقة كلام بعض مرجئة العصر من أمثال هذا المردود عليه ذريعة للكفر والعربدة على أحكام الشريعة، حتى عم البلاء طبقة المثقفين والشعراء الزنادقة، باسم حرية الرأية تارة، والخلاف الواقع بين العلماء تارة أخرى، حتى نفذ في علماء مرجئة الوقت، قول بعض معاصريهم من أبناء هذا الزمان، يرثو حالهم بقوله:
(ولئن كان علماء عصور الإسلام الوسطى من المرجئة أو المتأثرين بالإرجاء يحجمون عن تكفير ملاحدة وحدة الوجود، وأمثالهم من الزنادقة أو الساخرين بالدين من الكتاب والشعراء، وينتحلون لهم التأويلات والتبريرات، فقد استغنى علماء الإرجاء في عصرنا الحاضر عن هذه التأويلات، لأن الإسلام في عرفهم وراثة لازمة كما تورث الأسماء، وأحرف تكتب في الهوية لا ينسخها عمل ولا قول يرتكبه حاملها، ولهذا تجرّأ الملاحدة زعماء وكتابًا على دين الله سخرية واستهزاء، وأصبح هذا ميدانًا للزعماء والمفكرين، وملهاة للشعراء والصحفيين وجرت ألفاظ الاستهزاء على ألسنة العوام فأصبحت في بعض الأحيان والبلدان كالسلام!!
وعم البلاء حتى تعدى مجال الاستهزاء إلى مجال الكفر الجاد الجلي الذي كان أمرًا محظورًا، ولو عرفًا وعادة، فنسي الناس تكفير الباطنية والقرامطة والدروز والنصيرية وأشباههم، بل نسي بعضهم أو شك في كفر اليهود والنصارى وأمثالهم، وغاب عنهم تمامًا كفر طواغيت الدجل والخرافة والسحر، بل سموهم أولياء وصالحين!!
أما طواغيت الحكم والتشريع فقد نسخوا شريعة الله جهارًا نهارًا، وحكموا شرائع الطاغوت في الدماء والأعراض والأموال، وألزموا الناس في مناهجهم ووسائل تربيتهم بموالاة الكفار وتقديس عظماء الكفر من فلاسفة وقادة وحكام، ونشروا من استحلال المكفرات والموبقات ضروبًا وألوانًا، وسخروا من الحدود والحجاب وتعدد الزوجات وأحكام الميراث