بل ما تقول فيمن طالع أقوال الناس -ومنهم بعض العلماء الأفاضل- في الملحد ابن عربي الصوفي وأمثاله من الملاحدة، فرأى أقاويلهم في مدحه والثناء عليه، ثم ذهب يفعل أفاعيله الكفرية بناءًا على ذلك؛ من أنهم أهل ولاية وصلاح، أتتوقف في كفره مثل هذا؟!
وهذا باب طويل الذيول، ولكن المقصود بيان جهل هذا الرجل، وأنه ليس على مذهب السلف في باب الوعد والوعيد إذ أنه يعذر المقلد من كل وجه.
وذلك أن الأصل في ذلك عند أهل السنة النظر في أصل القول أو الفعل، فإن كان مخلًا بأصل الإيمان كان صاحبه كافرًا من كل وجه -كما هو حال الحاكم بالقوانين الوضعية-، ولا يعذر بجهل، وذلك أن الكافر قد يكون كافرًا معاندًا وقد يكون كافرًا جاهلًا، ولا يسمى مسلمًا أصلًا كما هو اعتقاد أهل السنة من لدن الصحابة الكرام إلى يومنا هذا، حتى وإن كان صاحبه مجتهدًا متزيّ بزي العلم، كمن يزيّن للناس جواز الاستغاثة بالمقامات والأضرحة، فإن كفر مثل هذا معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، وهو من المشهور كفره عند أهل العلم، وقد سموهم مشركين وحكموا بكفرهم جملة وتفصيلًا، وهذا مذهب جماعة من السلف في كلامهم على بدعة الجهمية، فالظاهر تكفيرهم -عندهم- من كل وجه بعوامهم ومشايخهم، وهي رواية لأحمد نقلها عنه بعض أصحابه وأقرها.
والمقصود: أن العالم قد يعذر وكذلك مقلده، ولكن هذا ليس على إطلاقه عند أهل العلم، وأصل العذر وعدمه راجع إلى أصل الفعل أو القول، وأنه مناقض للإيمان من كل وجه أو من وجه دون آخر، فبهذا يكون المقلد فاسقًا تارة، وعاصيًا تارة، وكافرًا تارة أخرى، بخلاف المجتهد، وهذا تحرير عظيم فاحفظه، فإنك قدلا تجده في غير هذا الموضع.
وذلك، أن المجتهد إن كان يرى أن هذا الفعل أو القول كفر، ومع ذلك كان يرى - أيضًا - أن الواقع في مثل هذا الكفر لا يلزم من ذلك تكفيره إلا بعد إقامة الحجة، فهذا يكون مذهبًا له على الخصوص، وقد يخالفه في ذلك غيره من أهل العلم، ويحكمون على نفس الفعل وفاعله بالكفر أعني النوع والعين، ولا يعدون ذلك مثله يعذر صاحبه يجهل، وهذا مثاله الذي ينصر الكفرة على المسلمين، ويواليهم عليهم، فإن ابن جرير -رحمه الله- يذهب إلى أن هذا الكفر لا بد فيه من استحلال القلب، وكثير من أهل السنة يخطئونه في ذلك، ويرون كفر مثل هذا من جنس خرق أعمال القلوب، وصاحبه كافر من كل وجه، وإن تعذّر بالخوف، فضلًا عن أن يتعذر بقول عالم من العلماء كما يدّعي هذا المعترض وأمثاله من المعاصرين، فإن نصوص الوحي تؤيد الكفر من كل وجه لمن تلبّس بمناصرة الكفرة الملاعين على المؤمنين الموحدين، كما قال تعالى: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) فهذا نص في