فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 132

الاستهزاء بالدين الذي جاء بقوله: (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون، لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) ، فهل الكفر هنا اعتقادي أم عملي؟

فأجاب الشيخ قائلًا:

(لا شك أن هذا كفرٌ اعتقاديٌّ، ... ، لا يجوز تكفير المسلم إلا إذا ظهر من لسانه شيء يدلنا عما وقر في قلبه؛ فهنا استهزاؤه بآيات الله -عزوجل- هذا أكبر إقرار منه على أنه لا يؤمن بما استهزأ به، فهو إذًا كافر كفرًا اعتقاديًا) [1] ا. هـ

قلت: فانظر كيف عدّ الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفرًا اعتقاديًا، وهذا يدلك على أنه يحصر الكفر بالاعتقاد، كما هي طريقة المرجئة، فهو يجعل أصل الاستهزاء راجعًا إلى شيء واحد وهو عدم إيمانه بما استهزأ به، وهو دليل الاستحلال أو التكذيب كما تقول المرجئة!.

وقد تقرر في أصول أهل السنة من أن الكفر يكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد أو الشك، والكفر بهؤلاء غير الكفر بالاعتقاد، فإن الاعتقاد شيء زائد عن مجرد القول أو الفعل أو الشك، بل لو أن أحدًا سب الله أو رسوله أو قاتل نبيًا أو سجد لصنم ... لكان كافرًا بنفس القول أو الفعل ولو كان مقرًا بالباطن بكل ما أنزل الله، وهذا بإجماع أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل كما حكى هذا اسحق بن راهويه وغيره من السلف.

وقد فرع المرجئة على أصلهم هذا، أن من سب الله أو رسوله، إلى غير ذلك من الأقوال أو الأفعال المكفرة لذاتها، أن مثل ذلك إنما يكون دليلًا على الكفر، وأنه لا يؤمن بمن سبّه أو أهانه، وهو دليل الإستحلال والتكذيب، وهذا كما قال الألباني هنا، فإنه قال: (فهنا استهزاؤه بآيات الله -عزوجل- هذا أكبر إقرار منه على أنه لا يؤمن بما استهزأ به، فهو إذًا كافر كفرًا اعتقاديًا) ا. هـ

قلت: وقد رد هذه الشبهة كثير من أئمة السنة، ومن أشهرهم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، فإنه ردّ على المرجئة في مواضع كثيرة من كتبه، لا سيما في كتابيه: (الإيمان) و (الصارم المسلول) ، وكلامه في (الصارم) صنّفه في هذه المسألة، وغيرها من المسائل المتعلقة بحناب الرسول -عليه الصلاة والسلام-، وقد رد هذا المذهب الفاسد للمرجئة في مسألة (السب والاستهزاء) وأمثال ذلك من التنقص لله ولرسوله، وحرّر أن هذا الذي يذهب له

(1) شريط (فتنة التكفير) الشريط الثاني 671/ 1

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت